الاثنين، 3 نوفمبر 2025

د. محمد عمر جامع (بايوقرافى) Biography

                    

هذه محاولة لكتابة  سيرة حياة لشخص غير الكاتب خلافا للسيرة الذاتية التى يكتبها الشخص عن نفسه. اكتبها الان عن أخى الاكبر د.جامع لكن خلال ذلك أجدنى كانما اكتب عن نفسى. ومعلوم ان الاخ هو أكثر انسان يعيش معك تفاصيل حياتك كما هى منذ البداية . ولابد لى ان اقول ان اخى الاكبر الدكتور جامع كان هو معلمى الاول قبل أن أدخل المدرسة ذلك لأنى تعلمت منه مهاراتى الحياتية التى طورتها معه لاحقا. اقول ان هذا التوثيق هو بمثابة وفاء له على ما قدم لى وما أدين له به، فله التجلة والتحية .

  


                                                        صورة التخرج من كلية الطب جامعة الخرطوم


شقيقنا الأكبر د.جامع كما يسميه رفاقه اختصارا ولد منتصف خمسينات القرن الماضى، بينما ولدت انا في النصف الثانى من نفس عقد الخمسينات. وهو الابن الأكبر لولدنا من زواجه الأول من الوالدة " جدة مهدى مصرى" سليلة عشيرة العركيين من نواحى النيل الأزرق، وهى تعيش الان في قرية "عريك" الى الجنوب الغربى من مدينة سنجة.

 نشأ وترعرع الابن جامع في بلدة الجزيرة أبا مع جدتنا والدة الوالد الحاجة "خادم الله بنت نيل"، وعندما بلغ سن المدرسة اصطحبه الوالد الى مدينة الدويم حيث كان يعمل وكان الوالد لحظتها قد تزوج زوجته الثانية " حواء محمد عثمان" التي هي والدتنا، وبدأ مساره التعليمى بمدرسة الدويم الريفية، وهى المدارس الملحقة ببخت الرضا التي يتدرب فيها المعلمون الجدد. ثم بعد ان انتقل الوالد من الدويم نقل الابن محمد مرة أخرى الى الجزيرة أبا حيث التحق بمدرسة دار السلام الأولية في الحى او القرية التي تقع مباشرة الى الجنوب من أرض الشفاء حيث سكن حبوبته " خادم الله"

حى أرض الشفا

مؤسس الجزيرة أبا كقرية او بلدة هو السيد عبد الرحمن المهدى ضمن مشروعات دائرة المهدى الزراعية. ولذلك فان تسمية الاحياء لها دلالات دينية فعلى سبيل المثال : طيبة، قباء، الرحمانية، دار السلام، ارض الشفاء، الغار...الخ. ثم ان المجموعات السكانية التي استقرت في مركز الجزيرة أبا اطلقت على الاحياء أسماء القبائل التي تسكنها. فهناك فريق برتى، وفريق زغاوة، وفريق مهادة، وفريق رزيقات....الخ.

حى أرض الشفاء من الاحياء التي يسكنها خليط من السكان من قبائل شتى. أما الحاجة "خادم الله بت نيل" التي توفى عنها زوجها الأول محمد جامع في منطقة التبون التي تقع في الحدود بين دارفور وكردفان، تزوجها اخوه آدم جامع كما هو التقليد في ذلك الزمان، هي التي احتضنت الطفل محمد وهو في طور الدراسة في مراحله الأولية. وارض الشفاء يفصلها عن دار السلام 3 او 4 كيلومترات تتكون بينهما مجارى مائية تمتلىء في فصل الخريف. كان التلاميذ في تلك الأيام يحملون معهم وجبات الإفطار من منازلهم، يندلق عدد منها في الماء مع محاولات الأطفال العبور. وكان محمد يحكى لى ان بعضهم يتناول افطاره قبل العبور وهو يقول " خير من ان يتدفق في الماء"، في ذلك الصباح الباكر.

وقد كان للطفل محمد اصدقاء ورفقاء فى هذا الحى ارض الشفا نذكر منهم الفاضل عبد الله، واحمد سليمان حمر وشقيقته نفيسة سليمان حمر وقد كانوا يتفاوتون فى اعمارهم ولكن جمعهم هذا الحى. ويفصل منزل الحاجة "خادم الله بنت نيل" غربا شارع يفصل بينها وبين المسجد وقد كان فى المسجد خلوة يقوم عليها من كنا نسميه "سيدنا عبد البارى" وقد محمد عمر يذهب اليها وربما تبعته اليها.

وكانت الحاجة "بت نيل" وهى قد فقدت بصرها في فترة باكرة من حياتها، تربى عدد من الابقار في منزلها بواسطة بناتها وحفيداتها. وعندما جاء الطفل محمد الى المدرسة كانت معها فقط حفيدتها روضة أدم. وكان محمد وروضة يقومون على الاهتمام بالابقار التي عندها أسماء "بيضا" و"صفرا" و "كرتك". في بعض الأحيان يذهب الطفل محمد الى الحقول حتى ناحية الجاسر وهو يرعى الابقار واكون معه أحيانا وأحيانا أخرى الطفل منير موسى نمر الذى مكث فترة مع بت نيل في ارض الشفاء. وفي الاجازات كنا نذهب انا ومحمد الى الوالد  في الزليط بعد ان انتقل اليها من الدويم



فى منزل د.جامع بامبدة بمناسبة زيارة الاخت سامية


أكمل الطفل محمد المدرسة الأولية بمدرسة دار السلام  الأولية وامتحن الى المدارس الوسطى فألحقه الوالد بمدرسة الجزيرة أبا الوسطى في ذلك الزمان ، وكانت مدرسة أهليه كما يقال في ذلك الزمن 1968-1969. وكنت انا في الصف الرابع بمدرسة الرحمانية الأولية عندما بلغ هو الصف الرابع في المرحلة الوسطى. وكلانا على اعتاب الامتحان لمرحلة جديدة، هو الى الثانوى وانا الى الوسطى. وكنت اسكن مع جدتى لوالدتى الحاجة "فاطمة حسن" في حى الغار. ولكنى انتقلت الى ارض الشفاء في الشهور التي سبقت الامتحان. فكنا نسهر في المذاكرة مع بعض في الديوان الملاصق في منزل عمتنا زهرة جامع. وكان محمد يشترى علبة لبن اسمها "روتانا" في ذلك الزمن لعمل شاى لبن مضبوط للمساعدة على المذاكرة ليلا او هكذا كان الظن. لكن محمد بذل معى جهدا كبيرا في مادة الحساب الذى كنت لا أحبه البته، فكان يشرح لى المسائل من كتاب "حساب التلميذ" ويسألنى هل فهمت أقول له نعم ولكنى لا افهم شيئا وانا بالى في شاى اللبن.كان الوالد قد انتقل من الزليط ومكث قليلا في كوستى ثم انتقل الى سنار. وبعد الامتحان ذهبنا الى الوالد في سنار. وانتقلت انا ومحمد الى .مدارس سنار، لانى لم اتوفق في الدخول الى المدارس الوسطى، ومحمد انتقل الى ربك - وستأتى قصة ربك  لاحقا- ثم الى سنار  منها امتحن الى الثانوى. 

     1971-1968سنار المدينة  

في سنار استأجر الوالد منزلا في حي التعايشة سكنت فيه الأسرة. وكان المنزل قريبا من بحيرة خزان سنار. عندما تمتليء البحيرة نكون على الشاطي. فكان محمد ماهرا بالسباحة  وتعلمت منه العوم  في هذه البحيرة حتى كنت اقول  لرفاقي لقد سبحت في كل المسطحات المائية في السودان.  فكنا مع محمد نكاد لا نفترق. كان بالمنزل ثلاجة تعمل بالجاز وكان  المنزل مليئ بصفائح الجاز  الفارغة. فكنا سرا نأخذ هذه الصفائح الفارغة الي السوق نبيعها وبثمنا ندخل سينما سنار او نذهب إلى حديقة الخزان الجميلة. 

اما انتقال محمد من مدارس الجزيرة ابا الي ربك  فكان  بسبب ان جدتنا  "خادم الله بن نيل" تقرر ان تذهب لتعيش مع ابنتها عائشة جامع في امدرمان. كان هذا بعد أن امتحن محمد الي الثانوي ولم يوفق. فقرر الوالد أن يعيد في مدرسة عبدالملك الوسطى بربك ليمتحمن مرة أخرى. ولكنه قضى فقط ستة أشهر وتم فصله من المدرسة نتيجة مشكلة مع مدير المدرسة وصاحبها الذي اوصي لمكتب التعليم يمدني    بعدم قبول الطالب محمد باي مدرسة في مديرية النيل الازرق . وقصة فصله من مدرسة دار السلام هذه لا تزال فى ذاكرته لم ينسها ابدا لم يسامح الاستاذ عبد الملك ابدا رغم رجاءاتى المتكررة له بذلك.

في ربك قضى محمد ايام جميلة مع رفقائه أصدقائه  وكونوا مجموعة  وذهبوا للعمل في جبل مويه كعمالة زراعية. وعندما عادوا من رحلتهم تلك كانت مليئة بالقصص والمغامرات والتقشف. ولكنها كانت تجربة مفيدة وهم في أعمار باكرة كشباب مطل على الحياة من جميع أبوابها. 

 فبذل الوالد جهدا كبيرا مع مكتب التعليم في مدني حتى اقنع السلطات التعليمية بقبوله في مدرسة سنار التقاطع الوسطى. وفي هذه الفترة تفتحت على محمد ملكة الرسم فكان يقضي جل النهار يرسم اللوحات الطبيعية  منها ما يعلقه على الجدران ومنها ما يهديه الي معارفه واصدقائه. ومن مدرسة سنار التقاطع امتحن للثانوي وتم قبوله بمدرسة كوستي الشهيرة بمدرسة  كوستي القوز الثانوية.


د.جامع يتوسطنا وأخانا الاصغر شريف الصورة فى كوستى مربع 8 بمناسبة عيد الاضحى أيام النزوح  

مدرسة كوستى القوز وجامعة الخرطوم

مدرسة كوستى الثانوية تعتبر من المدراس الثانوية الشهيرة من الجيل الثانى للمدارس الثانوية التي أنشأت في نظام عبود، حيث كان الجيل الأول يضم حنتوب وخور طقت ووادى سيدنا. وكان محمد في القسم الداخلى بالمدرسة. وقد سبقه إليها ابن عمنا عبدالله شريف جامع وكذلك المرحوم صلاح علي ادم. كنت أزور محمد  وانا من الجزيرة أقضى معه يومى الخميس والجمعة في الداخلية. والمدرسة تقع في قوز أبو شريف وكانت أبو شريف هي قرية مجاورة لمدينة كوستى لكنها الان أصبحت من أحياء المدينة. وكان القبول في المدارس في ذلك الزمان يتم عبر الراديو حيث لكل طالب رقم مسلسل تذاع أرقام الطلاب المقبولين وليس اسماءهم. وكانت هذه الإذاعة مشرفة للطلاب الناجحين. ألطالب محمد إذيع اسمه وكنا لحظتها في ربك.

في هذه المدرسة تفتح ذهن الطالب محمد ونضجت ملكاته العلمية فتقدم الي المساق العلمي الأحياء الذي هو المدخل إلى الجامعة. جلس لامتحان الشهادة السودانية واحرز نتيجة اهلته لدخول  جامعة الخرطوم  في  ذلك الزمن منتصف السبعينات.  وكان الدخول إلى جامعة الخرطوم من الصعوبة بمكان. لان كل طلاب السودان يتنافسون على جامعة حكومية واحدة هي ج الخرطوم وجامعة امدرمان الإسلامية وجامعة القاهرة فرع الخرطوم. ومن اصل ٦٠ الف طالب كانت هذه الجامعات الثلاثة في مقدورها استيعاب اقل من ٣ الف فقط.  وهناك قلة من الموفقين يحظون بمنح دراسية خارج السودان. في تلك الفترة بداية السبعينات تم قبولي بمدرسة البحر الأحمر الثانوية في بورتسودان، وكانت البلد بها مظاهرات ثورة شعبان والصراع بين نظام مايو وبقية الاحزاب السياسية لاسيما في المدرسة. وكان هناك نشاط سياسي لناس الاتحاد الاشتراكي. فنصحني محمد نصيحة مهمة الا انتمي الي حزب الاتحاد الاشتراكي لانه سيأتي اليوم الذي يصير فيه الاتحاد الاشتراكي سبة على الإنسان. فاخذت بنصيحته وانتفعت بها. 

 عموما كان نظام الدخول الى الجامعة عن طريق ما يعرف " البوكسن"  وهو مجموع ثلاث من مواد التخصص .  تمكن محمد من الدخول الى جامعة الخرطوم الى  كلية العلوم التي تعتبر تمهيدي للكليات العلمية  .  وكان محمد في القسم الداخلى كان يترأي لي ان كل طلاب الجامعة يسكنون في داخليا ت الجامعة التي كانت تقدم كل الخدمات للطلاب  من سكن واعاشة وعلاج بصفة مجانية. وكانت تلك هي الحقبة الذهبية  لطلاب جامعة الخرطوم حتى اسموها " الجميلة ومستحلة" على اغنية الفنان محمد وردي. بينما كانت جامعة ام امدرمان الإسلامية تسمى " فاقدين حنان" ، اما جامعة جوبا ولبعدها عن وسط السودان كان اسمها "غربة وشوق". والقصص والحكاوي كثيرة عن داخليات جامعة الخرطوم ويقال ان هناك سائقي تاكسي يتناولون وجبات في هذه الداخليات. وقد سمعت احد الطلاب الجنوبيين يقول ان أصعب حاجة في هذه الجامعة هو كيف تختار الرغيف المناسب قالها بالانجليزية

 the most difficult thing in this University is how to choose bread.    ذلك ان الخبز في سفرة الجامعة من نوع خاص ولذلك تحتار وانت تختار من بينها ما يناسبك. 

انتهى محمد من كلية العلوم وجلس لامتحانها النهائي فاحرز درجات عالية جعلته مؤهلا لدخول كلية الطب البشري وهي الكلية التي يتمنىاها كل الطلاب. ولذلك تتطلب درجات عالية. فكان يقال لهؤلاء الطلاب المقبولين في هذه الكلية انهم  صفوة الصفوة 

cream of the cream.                                                                

 وكم كان الوالد سعيدا بهذه النتيجة المشرفة. ودخل بموجبها الى كلية الطب والي داخليتها حسيب والرازي. واكتسب محمد في هذه الكلية لقب "البريطاني"  لا أدري لكني رجحت ان ذلك له علاقة بفهمه للغة الإنجليزية التي كانت هي لغة التدريس في كل الجامعة في تلك الفترة.



الصورة فى مسجد كوستى العتيق بعد صلاة العصر وهو يعمل فى معمل بالقرب من المسجد

وكلية  الطب هي  ٦ سنوات من أطول انواع الدراسة الجامعية. ذهبت انا الي جامعة جوبا خلال هذه الفترة. فكنت أزوره في الداخلية وانا ذاهب او قادم من جوبا. او نلتقي في بورتسودان في الاجازات حيث مكان عمل الوالد والأسرة.  وكان لمحمد أصدقاء  اذكر منهم  من أبناء الجزيرة أبا زميل له اسمه "السيوري" لعله من أسرة الشيخ "علي السوري" من أئمة مسجد الكون. وكان له صديق اخر اسمه "شداد" وشداد لم  يعجبه قبولي بجامعة جوبا فكان يقول لي هي مدرسة ثانوية عليا جدا. واذكر ان قدم إلينا في بورتسودان في تلك الفترة ابن عمنا الأخ عبد الله شريف جامع في طريقه الي المجر  لدراسة الهندسة الكيميائية بعد أن قضى عام واحد في جامعة الخرطوم

في أثناء هذه الفترة تم نقل الوالد الي  كوستي في العام ١٩٧٩. فكنا نحضر الي كوستي في الاجازات محمد من جامعة الخرطوم وانا من جامعة جوبا. كان المنزل في حي النصر مربع ٧. بجوار مدرسة أولية للبنات اسمها "مدرسة ج" ولكن لشهرة مديرتها اسموها مدرسة صفية اسكودر". التي التقيتها في العام ٢٠٢٤ حيث سكنت بالقرب من منزلها في حي النصر مربع ٨ ونحن في النزوح، قالت لي وهي" تتحرك على كرسي  " انت اخوك الكان في الجامعة كان بيطلب مني  مفاتيح المدرسة عشان يذاكروا فيها". يا لها من ذاكرة حديدية تتذكر اشياء مضت عليها ٤ عقود وأكثر.

وفي كلية الطب  جامعة الخرطوم تزامل مع عدد ممن أصبحوا مشاهير في السياسة منهم عبدالحليم المتعافي  والجميعابي ومطرف صديق  وهم من الأطباء الذين دخلوا المجال السياسى. لكن محمد كطالب طب لم يعرف عنه نشاط سياسي او انتماء حزبي على الرغم من علو صوت الاحزاب السياسية في تلك الفترة لا سيما الصراع  التاريخي المحموم بين اليمين واليسار علاوة على نشاط الإخوان الجمهوريين.

تخرج محمد من كلية الطب في العام  ١٩٨٠ ثم انتقل مباشرة إلى مدينة الأبيض ليبدأ حياته العملية كطبيب تحت التدريب. وكان من الابيض يرسل لي مصروف شهري وانا في جوبا عبر البوسته. وطبعا الأمور كانت طيبة معانا في جوبا ما عندنا التزامات كتيرة لأننا داخليين  وأكثر من ذلك لدينا ما يسمى في ذلك الزمن بيرسري كنت أصرف 14 جنيه شهريا من ميزانية الجامعة .ا.

الحياة العملية 

بدأ جامع عمله كطبيب امتياز في مدينة الأبيض والتي ربما يزورها لأول مرة، حيث بدأ أولى خطواته العملية في الحقل الطبي. الامتياز هو عام كامل ولم يكمله في الأبيض ورجع لاستكماله في مستشفى سوبا الجامعي بالخرطوم. وبالنتيجة تم  تسجيله في المجلس الطبي السوداني لممارسة العمل كطبيب عمومي.. وكنت في تلك الفترة بمدينة كوستي اقترحت عليه شراء قطعة أرض تكون له في مستقبل الايام  وفعلا ارسل لي مبلغ "واحد الف جنيه سودانى" وكان يكفي لشراء قطعة أرض في مربع ٤١. ثم تم نقله من بعد ذلك إلى مدينة نيالا وهناك التقي بمجموعة الاهل في المدينة وكان مصدر فخرهم ان جاء ابنهم كطبيب في المدينة. وسرعان ما أطبقت شهرته الآفاق وافتتح عيادة خاصة كانت قبلة لمجموعة الاهل والمعارف عموما بالمدينة.  استطاع في مدينة نيالا ان يحوز على ثقة اهلها حتى عندما انتقل الى الخرطوم لاحقا ظل اهل نيالا يمثلون قطاعا كبيرا من المترددين على عيادته. ومن نيالا عمل علي شراء منزل بمدينة امدرمان   محافظة امبده وأعاد بنائه.

وبعد ذلك تزوج محمد من ربك من ابنة أخيه بن عمه "نجاة عبدالله" الشهيرة ب "نجاة جدو". وكانت مناسبة الزواج في ربك. وبعد  المناسبة طلب مني العريس وهو متوجه إلى شهر العسل ليستقل البص من كوستي ان أوصل العروسين بعربة احد أصدقاء العريس الي كوستى ليستقل البص من هناك والمسافة من ربك الي كوستي فقط ١٠-١٥ كيلو  ولكن الكوبري بين المدينتين كان يمثل تحديا. طبعا هذا الكبري الجديد. فتوكلت على الله تعالى  وأخذت العروسين في العربة في أطول مسافة اسوقها كسائق وليس كمتدرب. مع انى كنت حديث عهد بالسواقة الحمد لله أوصلتهم المحطة وأرجعت العربة الي صاحبها.ا

وفي نيالا استقدم محمد أخانا الأصغر شريف من كوستي  ليواصل دراسته الثانوية  في نيالا. ولكنه لم يستمر فيها كثيرا. وكان قصد محمد ان  يلحقه بمدرسة ثانوية خاصة ولكن عند زيارة أخواتنا مني وفاطمة وسمية كان من رأيهن بإصرار أن يرجع شريف الي كوستي بحجة أنهن سيساعدنه في المذاكرة وعلى ذلك رجع شريف الى كوستى. 

من بعد ذلك زرت محمد في نيالا في منزله الذي فيه  عيادته في حي الجمهورية من الأحياء العريقة في المدينة. في ذلك الزمن لم ألتق بالأخ عبدالله صالح او إدريس صالح الذين التقيتهم في زياراتي اللاحقة للمدينة. وفي العام ١٩٨٨ تم اختيارمحمد للتخصص فرجع الي الخرطوم الي الدراسات العليا كلية الطب حيث نال الدكتوراة في علم الأمراض في العام  ١٩٩٢.

وفي نفس العام كانت صحة الوالد قد تدهورت فقضي زمنا في مستشفى سوبا ثم مستشفى المناطق الحارة ولكن كانت الاقدار بيد الله ان ينتقل إلى الرفيق الأعلى في نفس هذا العام في مستشفى المناطق الحارة بمدينة امدرمان. فكان العزاء لمدة يوم واحد في منزل محمد بامبدة الحارة العاشرة ثم انتقل العزاء الي كوستي منزل الوالد.  

ثم التحق بعد ذلك بالمستشفى الصيني بامدرمان وابتني منزلا اخر بالقرب من المستشفى  وافتتح فيه عيادة. وبما ان المنزل من عدة أدوار اتسع لعدد من العيادات.  ثم فكر من بعد ذلك الالتحاق بالجامعات وكان يقوم بتدريس كورسات في جامعة امدرمان الإسلامية والنيل الأبيض وجامعات أخرى. وعرض عليه زميله بروف بابكر مدير جامعة جوبا التقديم للالتحاق بها فاستشارني في الأمر ولكني لم اتحمس لذلك وعلى الرغم ان الجامعة كانت في الخرطوم منذ ١٩٨٦ ولكن كان دائما هناك حديث عن انها ستعود الي جوبا، وعلى ذلك لم أكن اريد له السفر إلى جوبا وتربية أبناءه هناك. فاخذ نصيحتي وصرف النظر عنها. ولم يلبث قليلا حتى تم تعيينه في كلية الطب جامعة الزعيم الازهري. وتوسعت اهتماماته وصار قليلا من ما يجد وقتا للزيارات او المناسبات الاجتماعية.كان ينظم زياراته بصفة دورية الي الوالدة جدة مهدي في منطقة سنجة قرية عريك. واحيانا يسافر بعربته الخاصة رفقة أبناءه. ومن قبل ذلك ذهبنا معه لزيارتها وكان معنا الأخ حبيب موسى نمر. 

وفي منزله جوار المستشفى الصيني كنت أمر عليه في طريقي إلى السوق الشعبي تقريبا بصفة أسبوعية وكان في الصباح في الغالب ما يكون جالسا على كرسي أمام باب الشارع. انزل لأسلم عليه أحيانا. مرة من المرات كانت معي ابنتي هبة ونحن في الطريق قلت لها ذاك عمك محمد. فردت على " ...لكن يا ابوي عمي محمد متين نزل المعاش.....". ولم يكن قد نزل المعاش بعد ولكن في ذهن ابنتي ان الجالسين على الكراسي في الشارع هم أصحاب المعاشات. 

 وفي جامعة الزعيم الازهري تخرجت ابنته نايله جامع واعقبتها اختها الصغرى سارة و تزوجتا كلتيهما وكذلك تزوجت سلمي جامع. وتوسعت الأسرة بقدوم الاصهار والاحفاد منهم من هم داخل السودان ومنهم خارج السودان. تمكنت والدتهم نجاة من إكمال دراستها الجامعية في إنجاز فريد وصبر وقوة تحمل.

وخلال فترته العملية كان د.جامع مشاركا فى عدد من المؤتمرات وورش العمل الخاصة ب علم الامراض داخل السودان وخارجه لا سيما ماليزيا واليونان وسوريا وتركيا وتونس. وبعد ان نزل المعاش خلال ال 5 أعوام الماضية تفرغ للعمل بعيادته التى هى فى الطابق الارضى من نف المنزل.

الطريق إلى الأمام

لا تزال  الحياة مستمرة بابقاع متوازن الي ان أتت حرب أبريل ٢٠٢٣ فتناثر كل شي. ذهب هو الى جمهورية مصر وانا فى سلطنة عمان، وبقية اخوانتا فى مصر. نسأل الله تعالى أن يجمع شملنا. اكتب هذه الكلمات في خواتيم أكتوبر ٢٠٢٥ في مدينة صحار سلطنة عمان وقد أتيناها في هجرة قسرية ، 

الأحد، 19 أكتوبر 2025




    الوالدة حواء محمد عثمان واكتوبر الحزين (1932-2016)



الوالدة حواء محمد عثمان هى البنت الكبرى لجدنا محمد عثمان وأخذ كنيته منها، فهو – اى والدها - معروف (عليه رحمة الله ) ب (أبو حوا) فى بلدة قلى بولاية النيل الابيض وبدرجة اقل فى الجزيرة أبا. وقد عمل جدنا محمد عثمان مع حجر سبيل كعمال صحة فى الجزيرة أبا ثم تم نقلهم الى قلى حيث قضى فيها محمد عثمان بقية حياته،  ورجع حجر سبيل الى الجزيرة أبا بعد ان ترك العمل فى الصحة. أما محمد عثمان أرجه فهو ينتمى الى اسرة"أرجه" المكونة من أسرة  وادى ارجه: وابناءه الكبار عبد الله وادى، ومحمد وادى  واسرة ادريس اسماعيل أرجه المكونة من الرشيد، وعواطف، وصالحة ومحاسن ادريس.

ويقال ان الجد محمد عثمان جاء من دارفور الى الجزيرة ابا مغاضبا، إثر خلاف وقع بينه وبين أخوته او ابناء عمومته لا ندرى فيم كان. غير ان المعروف أنه جاء لوحده وكانت أقرب أسرة استقبلته اسرة الحاج إدريس التى تعتبر زوجته والدة بشر إدريس فى حكم عمته. ولذلك استقر معها فيما روى لى الحاج بشر إدريس بنفسه.

تزوج الجد محمد عثمان أرجه من الحاجة فاطمة حسن مسبل التى تنتمى الى اسرة مسبل او "المسبلاب": التى تتكون من أحمد مسبل، وعبد الله مسبل، وحسن مسبل "والد الحاجة فاطمة حسن".   وأخواتهم خاطرة وحواء وفاطمة مسبل. وكن الاخوات الثلاثة يسكن مع شقيقهن أحمد مسبل فى الجزيرة ابا فى "الحلة الفوق" فى ثلاث غرف متجاورة كنا نسميها "الاصطبل" على المكان الذى يحفظ فيه الخيل.
ثم تزوج جدنا محمدعثمان مرة اخرى من الحاجة زهرة صالح التى ظلت موجودة فى قلى وانجبت لجدنا عقد فريد من الاخوال والخالات هم الان ملء السمع والبصر بعد ان تزوجوا جميعا. وجميعهم يصغرنى سنا كون جدنا قد تزوج زواجه الثانى بعد ان زوج لبنتيه الكبريين حواء وشامه.

النشاة والزواج

نشأت الوالدة  - حواء - فى بلدة "قلى" التى تقع فى الضفة الغربية للنيل الابيض فى مواجهة بلدة "الشوال" فى الضفة الشرقية للنيل، فى اسرة صغيرة مكونة من  بنتين الوالدة حواء البنت الكبرى، والخالة شامة هى الصغرى. بدأت البنتان حياتهما بالخلوة ثم المدرسة الاولية بالقرية، وكانت مدرسة مختلطة. درس فى هذه المدرسة كل من عبد الله خميس النور ويحى بشر ادريس، وكذلك محمد وادى وعبد الله بخت وآدم عبد الكريم. وعندما اكملت حواء السنة الرابعة كان أمامها خيار ان يتم استيعابها كقابلة فى القرية، غير ان والدها لم يحبذ الفكرة، وعليه فقد تركت المدرسة بعد اكمال السنة الرابعة، مع حفظ شئ من القرآن من الخلوة ما قبل المدرسة كما كانت تذكر لى فى الايام الاخيرة ، كما هو الحال مع معظم الفتيات من جيلها.

لما يمض وقت حتى تمت خطبتها من الوالد عمر محمد جامع وهى بعد فى سن باكرة. وتمت مراسم الزواج بالجزيرة أبا منتصف اربعينات القرن العشرين  1947تقريبا. وانتقل معها الوالد مباشرة الى ادرمان حيث كان يعمل ويقيم. وهذا هو الزواج الثانى للوالد بعد ان افترق عن زوجته الاولى الحاجة "جدة مهدى" والدة الاخ الاكبر الدكتور محمد عمر. وبعد بضعة سنوات من زواج الوالدة حواء، تزوجت – أختها - البنت الصغرى الخالة شامة من عبد الله محمد عبد الله (الشهير ب "أبروكو")، وانتقلت معه الى ادرمان ايضا. الجدير بالذكر أن نفس مشهد الزواج الثانى تكرر مع الخالة شامة، فقد ذكر لى ابروكو نفسه انه كان متزوجا من إمرأة فى كردفان وجاء بها الى الجزيرة أبا وحدث خلاف بينه وبينها، فقرر تطليقها وتسفيرها الى أهلها، غير ان حاجة فاطمة حسن رفضت منه هذا المسلك، وطلبت منه ان إراد مفارقة المرأة الا يفارقها وهى فى غربة بعيدة عن أهلها. فاستحسن منها هذا الموقف النبيل، واضمر فى نفسه ان يتزوج من ابنة هذه المرأة التى تتمتع بكل هذا النبل فى الخلق، حاجة فاطمة التى هى بنت خالته.

الخصائص الشخصية

حواء محمد عثمان ربة منزل من الدرجة الاولى، وقد انجبت نحوا من عشرة من الابناء والبنات وهى بعد فى سن باكرة. وهى تعمل داخل منزلها فقط لاتخرج منه البتة. وليس لها اى رغبة فى المشاركة فى العمل العام او ممارسة اى نوع من النشاط الاقتصادى، ظلت طوال هذه العقود ترعى ابناءها وبناتها، حتى عندما توفى عنها زوجها الوالد، طلب منها بعض اخواتى التقدم بطلب لمجلس مدينة كوستى   للحصول على وسيلة لكسب العيش "كشك" او قطعة ارض كأرملة، ولكنها كانت دائمة الرفض لمثل هذا التصرف، لعلها ترى ان الترمل لا يجب ان يستدر به عطف الآخرين لجلب منفعة او هكذا....

من خصائصها الاخرى هى اعتمادها على نفسها فى شئونها الخاصة، فهى قد  تنقلت مع الوالد فى الكثير مدن السودان المختلفة، تعودت فى سفر الوالد ان تظل لوحدها فى المنزل ولا تطلب من احد او الى احد ان يمكث معها الى حين عودة الوالد. غير ان الوالد عندما كان فى الدويم كان يستعين باسماعيل اسحق وكانوا – اسرة اسحق ابراهيم - لحظتها ببلدة "الشور"،  التى تقع فى الطريق بين كوستى والدويم. أما سوى ذلك ففى "الزليط" مثلا كمشروع زراعى جنوب مدينة كوستى ويعتبر فى منطقة خلوية، كان الوالد يمكث فى الخرطوم ثلاث شهور فى مراجعة حسابات المشروع مع الممولين واصحاب المشروع، والوالدة لوحدها ليس لها سوى ابناءها الصغار، وسط منطقة غزيرة الامطار كثيرة الثعابين، وليس هناك جار مباشر وفق طراز منازل الموظفين بالمشروع الذين يبعد بعضهم عن البعض مساحات من الجنائن والاسوار الشجرية، بما لا يدع مجال للحديث عن جار مباشر.

والمنطقة التى كنا نسكن فيها تسمى"البيارة" وهى المنطقة التى فيها مضخات رفع المياه فى الضفة الغربية لنهر (النيل الابيض) لرى المساحات المزروعة من المشروع. ويسكن فى هذه المنطقة موظفى وعمال المشروع. وأهم قرية فى المشروع هى قرية "عسولة" وهى قرية المواطنين الاصليين من مزارعين وخلافه. ويسكن بها العم بشرى آدم آرباب والد الاخ الزميل فتحى بشرى. وسكن فيها لفترة الحاج جبارة خميس الذى أصبح لاحقا شيخا لقبيلة "الزغاوة" بالجزيرة ابا. وفى قرية مجاورة كان هناك من الاهل الحاج "سليمان بخت" الملقب بسليمان كندول والد الاخ سيف سليمان بخت الموجود حاليا بامريكا، وكذلك "محمود النور" والد فائز محمود وابنته قمر محمود.

أما فى البيارة فأقرب جارة للوالدة كانت أمرأة مصرية اسمها "الحاجة" او هو لقب لا أدرى وهى زوجة  أول مدير لمشروع الزليط الزراعى. ولم يكن للمرأة اطفال ولذلك كانت معظم الوقت تجلس لوحدها فى منزل كبير تحيط به جنينة كبيرة وعلى مسافة منها منزل الوالد. فكانت هذه المرأة تستفيد من هذا الفراغ فى حياكة فنائل الشتاء لزوجها. وفى العصريات حتى قبيل المغرب تخرج مع الوالدة فى نزهة الى المروج من حول المنازل، وكنت صغيرا من حولهم أذهب معهم لهذه الجولات. وكن يحملن معهن عبوات الفول المدمس. وأقدر انهن كن فى العقد الثانى من أعمارهن. ولا تزال تذكر الوالدة انه عند زيارة ابناء العم شريف لنا فى الزليط حفظت عنها الوالدة عبارة بالهجة المصرية...... "ابن شريف حلو خالص"...فى إشارة ربما الى عبد الله شريف او حافظ شريف.

وفى البيارة فى منزل قريب من الوالدة كانت الحاجة رحمة أحمد صبر المتزوجة من آدم تقل الله والذى كان ايضا من عمال المشروع. وكانت الوالدة مستأنسة برحمة وهما بعد فى مقتبل العمر وبعد ان افترقا لعقود متطاولة، جمعتهما الظروف مرة أخرى فى السكن فى أمبدة فى مسافة قريبة من المسافة التى كانت تفصل بين بيتيهما فى البيارة. وتصادفا مرة أخرى ذهبا معا لاداء فريضة الحج

طرائف متفرقة

وتنقلت الوالدة مع الوالد الى مدن السودان المختلفة امدرمان، الدويم، الزليط، سنار، بورتسودان، كوستى، كما ورد تفصيله فى سيرة الوالد الموجودة على هذه المدونة كمشاركة سابقة. فى مدينة كوستى عندما عادت اليها الاسرة من بورتسودان العودة الاخيرة 1979 وكنت حينها طالبا فى جامعة جوبا بجنوب السودان. كانت الوالدة تقوم على شئون المنزل وربما فكرت فى تربية دجاج وأنشأت لذلك قفصا حديثا بمقاييس ذلك الزمن. ومما أذكره ان اول دجاجتين اشترتهما وأدخلتهما القفص كانتا فى حالة شجار مستمرة، وتستطيع ان نرى انهما يؤذيان بعضهما على الرأس بالمنقاير الحادة، كان ذلك يتطلب خبرة ودراية لتجنب ذلك.  وقد عملت على تربية معزة واحدة للمساعدة فى انتاج اللبن للاسرة. (لان المجتمع الذى كنا فيه بالمدينة  كان يهتم بتربية الماعز، لاسيما الاسر القادمة من جنوب السودان من الدناقلة وغيرهم ممن كانوا يعملون فى النقل النهرى).وفكرت فى بيعها أكثر من مرة بعد عدة سنوات وكنت أقول لها سأشتريها منك ان رغبت فى بيعها، وكررنا هذا الامر أكثر من مرة الشئ الذى اصبح طرفة ما زالت الاخت سامية تذكرها.

من الطرائف ايضا ان الوالدة  فى نفس المنزل بكوستى زرعت شتلة ليمون فى حوش المنزل، وليس هناك تجهيز يذكر للارض قبل عملية الشتل،ولذلك لم يكن نمو الشتلة بالسرعة التى تصورتها وعليه لم تستحمل الوالدة النمو البطئ لهذه الشتلة، وعندما فاض بها فكرت فى إزالة الشتلة، ولم أكن أفهم ما هى الكلفة التى ندفعها مقابل الصبر على نمو الشتلة. ولكن فى النهاية أمكن ان نصبر على الشتلة حتى صارت شجرة مثمرة، وأفادت الجميع فى تجهيز عصير رمضان من الليمون. كما اون الليمون كان له عدة استخدامات فى ذلك الزمن، ذلك أنه كان المشروب الاساسى الذى يقدم للضيف الزائر كضيافة فى الممارسة الاجتماعية للاسر السودانية فى سائر البلاد. ومما أذكره انه كان منزل كوستى به مساحة يمكن معها زراعة اشجار داخلية، ولكنه استغرقنا زمنا طويلا ان نتفق على المكان الذى يمكن فيه زراعة شجرة، كان المكان المناسب هو فى مساحة كان الوالد يطيل الجلوس فيها بعد ان يصلى العصر على ظل الحيطة الفاصلة بيننا وبين جيراننا من الناحية الغربية للمنزل (حاجة التومة). لم يرض الوالد ان تزرع شجرة فى هذا المكان. تركت تلك المساحة للوالد وفكرنا فى منطقة أخرى.

وفى حى النصر بمدينة كوستى مربع 7 فقد كان لها صديقات وجارات يمتد بينهم وصل الوداد. منهن آمنة حماد وهى تسكن بجوار محطة المعهد وهى المحطة التى تسبق محطة صديق أمام المنزل. آمنة هذه زوجها هو آدم صالح وهو يكبرها بسنين. كثيرا ما كانت تمر على الوالدة فى طريقها الى سوق مربع 8 لشراء احتياجات اليوم، وكانت آمنة تعود معها من السوق وهن مستغرقات فى ونسة لا تنتهى. أما السوق فهو سوق صغير للخضر واللحوم وبعض الاستهلاكيات اليومية، فيه بعض الدكاكين من أشهرها دكان "أبكر جدو" وهو من الجزيرة أبا كان الوالد يتعامل معه. فهو ترزى وتاجر فى نفس الوقت. الدكان فيه أقمشة وخردوات ملح وشطة وماكينة خياطة للجلابيب والازياء الرجالية البلدية.

  وطوال هذه الفترة كانت الوالدة كبنات جيلها متفرغة تماما لشئون منزلها، لا يصرفها عنه صارف مهما كان. أذكر عندما اراد الوالد ان يتقدم بطلب قطعة ارض بامدرمان – العودة - بمساعدة العمة عائشة محمد جامع وطلب منها ان تلعب دور الزوجة فى الادلاء بمعلومات تعزز الطلب، رفضت ان تستجيب، وطلبت من الوالد ان يباشر مهامه جميعا بنفسه، والا يقحمها فيما لا خبرة لها فيه .وكذلك الحال كان فى موضوع قطعة الارض بأمبدة – المنزل الحالى- والذى حازه الوالد عندما كانت المنطقة عشوائية حوالى العام 1973، وهو بعد بين سنار وبورتسودان، حيث بذل الوالد قصارى جهده لاثبات أحقيته عن طرق مختلفة تارة. كان شرط المنح هو ان تكون القطعة مأهولة، ما يتطلب شخص يرابط فيها. فكان محمد عمر عندما كان طالبا بالجامعة يتواجد بالقطعة او الغرفة التى كانت مشيدة، وعندما تخرج كنت أنا وبابكر بشر، ومؤخرا جاءت الحاجة فاطمة حسن والتى استقرت أطول فترة فى القطعة العشوائية. طوال هذه الفترة لم تنشغل الوالدة بهذا الموضوع. وقد كان هذا الموضوع محور نقاش بين الوالد والوالدة أطلعنى الوالد بطرف منه.

بالطبع صارت القطعة العشوائية هى الموئل الذى استقرت به الوالدة والاسرة بعد انتقال الاسرة من كوستى الى الخرطوم بعد وفاة الوالد عليهما الرحمة جميعا. وعنما هاجرت الاخت سامية الى الولايات المتحدة الامريكية كانت الوالدة تتابع عن قرب مراحل بناء المنزل مع بناتها عواطف ومنى ....الخ. وكانت سامية تعمل على تحويل الاموال اللازمة لشراء مواد البناء والترميم..الخ.

وبعد استقرار الاسرة  مع الوالدة فى أمبدة. تم نقلى ايضا من مقر عملى بكوستى الى الخرطوم. فتكاملت اسرتى الصغيرة والكبيرة. وفى امبدة تم زواج الاخ شريف والاخت مها. ولحظتها كانت سمية ايضا قد انتقلت من نيالا الى الخرطوم، غير ان اخلاص لا تزال فى الجنيد ثم لاحقا حلفا. الشاهد انى حرصت طوال هذه الفترة ان اكون قريبا من الوالدة وان لم أكن أسكن معها فى نفس المنزل. تنقلت فى عدة منازل مستأجرا فى حارات الثورة فى الخامسة حينا وفى الحارة 12 حينا آخر وفى الحارة 18 مؤخرا قبل ان انتقل الى ابوسعد فى منطقة الفتيحاب. كنت أحرص ان أزور الوالدة بشكل يومى أو شبه يومى طوال الفترة التى ربما تجاوزت عشرة أعوام. وكان دافعى الى ذلك بالطبع حديث الرسول "...من أحق الناس بحسن صحابتى.....". ولكن أيضا كنت أرى أن من توفيق الله الانسان ان يوفر نفسه الى  حضرة والده او والدته. تتيح لها او له الفرصة ان يجدك بجواره او ان يراك لانك غرسه الذى غرس، والحد الادنى من مكافأته ان تخصص له جزء ً من وقتك له. وطالما اننا نتشارك فى نفس المدينة فلابد من بذل الجهد فى ذلك. وأحسب ان الله تعالى وفقنى الى ذلك فله الحمد من قبل ومن بعد.

سامية وحج الوالد والوالدة

الاخت سامية وهى بعيدة كانت دائما تنظر الى الاسرة بالسودان. ولذلك بعد وفاة الوالد فكرت فى يقوم أحدنا بأداء فريضة الحج ويهبها له. فاستشارتنى فى الامر وأبديت استعدادا لاسيما وأنى سبق أن أديت حج الفريضة. فما كان منها الا أن ارسلت لى ما يكفى من التكاليف لاداء الفريضة نيابة عن الوالد. وبعد اكثر من عقد من الزمان أرسلت للوالدة ايضا ما يمكنها من أداء فريضة الحج. وعليه فانه يرجع الفضل الى سامية فى انها مكنت الوالد والوالدة من أداء فريضة الحج الحى منهم والميت.

أدت الوالدة فريضة الحج فى رفقة مأمونة بكفاءة وصحة موفورة، وقد ذكرت لى انها التقت فى مكة بأبناء عمتنا عائشة محمد جامع الاخ حبيب موسى وابراهيم موسى وقد أكرما وفادتها.  رافقتها فى رحلة الحج من نساء الاهل بأمبده الحاجة رحمة أحمد صبر والتى سنذكر صلتها السابقة بها.  وعندما استقبلناها فى المطار عند عودتها من الحج فقدت الوالدة جزء من عفشها يبدو انه كيس كبير بلاستيكى من شاكلة ما يحمله جميع الحجاج، فما لم تعلمه بعلامة لن تستطيع ان تميزه. ثم أرسلت لها مرة أخرى العام الاخير فى حياتها  الاخت سامية مبلغا يكفيها لاداء مناسك العمرة هى والاخت منى، غير ان المرض ومن بعده الموت كان أسرع مما نظن.

السفر الى الولايات المتحدة 2010  

طلبت الاخت سامية أن تزورها الوالدة فى مهجرها فى الولايات المتحدة. وتم إقناعها بذلك وكانت وقتها تشكو أعراض السكرى، تضمنت الفكرة ان تعمل مراجعات طبية.وبدأنا التجهيز للسفر بدأنا العملية باستخراج جواز سفر وبقية الاجراءات. ولحظتها كانت تأشيرة الدخول تستخرج من القاهرة وتتطلب مقابلة مع السفير الامريكى لاستكمال منح النأشيرة. فكان لابد ان اسافر معها الى القاهرة لهذا الغرض. وصلنا القاهرة فى ساعة متأخرة من الليل وطلبت من سائق التاكسى ان يدلنى على من أستأجر منه شقة لمدة أيام ريثما نستكمل المهمة التى أتينا من أجلها، وفى الطريق عرجنا على صرافة لاستبدال العملة الى مصرية، وقد حذرتنى الوالدة من الاستبدال الليلى ولكنى لم أعره التفاتا. وكان ذلك  قبل ان نصل الى وكالة تتخصص فى إيجار الشقق، واتفقنا على شقة بسعر معين، وسلمنى مفتاح الشقة  وكان ذلك فى الساعات الاولى من الصباح.

فى الصباح خرجت من الشقة تركت الوالدة لوحدها، بحثا عن مقهى للانترنت، وعدت فى منتصف النهار لاجدها جالسة فى الهول متحيرة ويدها على خدها. أخبرتنى ان هناك إمرأة موجودة تقول انها تعمل فى هذه الشقة كشغالة فى  اعمال منزلية..... كأن العمل فى هذه الشقة محتكرا لها. وعندما دخلت الغرفة التى أنام فيها وجدت المرأة المصرية جالسة فى السرير...سألتها من أنت قالت لى انا الشغالة...قلت لكننا لم نطلب شغالة....قالت ان اعمل مع كل من يستأجر هذه الشقة...طلبت منها مغادرة الشقة على الفور وإلا سأستدعى لها الشرطة...خرجت وهى مكرهة ولكن بحجة قوية ان الشقة مقفولة لها...والاكثر من ذلك ان لديها نسخة من مفتاح الشقة. أخبرتنى الوالدة أنها دخلت بمفتاحها دون استئذان.... وظلت تتجول فى الشقة وفى كل الغرف...بالتركيز على الغرفة التى نمت فيها فيما تروى الوالدة. كان تفسير الوالدة ان هذه المرأة ضمن شبكة لسرقة النزلاء الجدد  وربطتها الوالدة بالصرافة التى استبدلنا عندها العملة...لانها – اى الشغالة المزيفة – كانت كأنها تبحث عن شئ وهى تتجول فى غرف الشقة بالتركيز على غرفتى.. كانت الوالدة من خلفها وهى تتجول فى الغرف. ولكنى شرحت للوالدة انى كنت أحمل كل ما عندى من مال ولم أترك شئ فى الشقة لتسرقه. لاحقا فسر لنا بواب العمارة ان هذه المرأة شريرة...تخلصنا منها بعد تعب شديد. واتصلت بصاحب الوكالة الذى كان يؤكد ما ذهبت اليه وانها فعلا شغالة فى الشقة.

لم نكد نفرغ من قضية الشغالة حتى دخلنا وانا والوالدة فى دوامة أخرى فى المساء. لاحظت ان الكهرياء قاطعة فى الشقة. نزلت لاستفسر من البواب عن الحاصل. ذكر لى ان هذه الشقة عليها متأخرات وفواتير كهرباء متراكمة وهذا القطع لهذا السبب. اتصلت بالوكالة التى استأجرت منها الشقة مرة أخرى وذكر معاذير كثيرة، فى النهاية ألزمته بان يوفر لى الامداد الكهربائ لانى موقع معه عقد يتضمن ذلك. أرسل لى عامل كهرباء لكنى لاحظت انه عمل عملية كأن فيها سرقة للخط الكهربائى. هذه بعض الصعاب التى واجهتنا فى القاهرة. ولكن الوالدة استطاعت مقابلة السفير الامريكى فى السفارة التى هى على مقربة من السفارة السودانية بالقاهرة. وقد زرت السفارة السودانية وبالكاد تمكنت من مقابلة الاخ الزميل د.ابراهيم آدم الملحق الثقافى بالسفارة الذى أخذنى الى الناشر المصرى الذى تولى نشر كتابنا المشترك "العنف السياسي فى افريقيا".

طلبت منا سامية بعد الفراغ من مهمتنا فى القاهرة ان نسافر الى الاسكندرية من أجل التنزه والاستجمام. راقتنى الفكرة، بعد المتاعب الجمة التى واجهتنا فى القاهرة. وكانت آخر زيارة لى الى الاسكندرية منذ أكثر من عقدين من الزمان ونحن طلبة فى الجامعة. أتصلت بالاخ محمد الحسن (شريعة)، وله زيارات راتبة مع اسرة زوجته، فرتب لى شقة بالقرب من شقتهم. استقلينا مع الوالدة القطار الى الاسكندرية فى رحلة جميلة، كانت الوالدة فيها فى غاية السعادة والارتياح. نزلنا الاسكندرية وبسهولة وصلنا الشقة التى دلنا عليها محمد حسن، وكان يستأجر شقة كبيرة لان معه الاسرة الممتدة لزوجته. زارونا وزرناهم، كنت كثير الخروج، لانى كنت فى حاجة مستمرة الى الانترنت للاتصال والتواصل مع العالم. وفتحت أول حساب لى على الفيس بوك وأنا فى أحد مقاهى الاسكندرية. تعودت على مساجد الاسكندرية، وأعجبتنى مكتبة الاسكندرية التاريخية التى زرتها مرارا، وهى تحفة عمرانية وذخيرة علمية مهمة فى المنطقة العربية. ولكن الوالدة كانت تقضى معظم الوقت فى التلفزيون، لم تكن تحبذ الخروج كثيرا. اصطحبتها مرة او مرتين الى شواطئ البحر المتوسط الصاخبة والمليئة بالحركة. قضينا نحو من اسبوع، وقتنا سفرنا بحيث نذهب مباشرة الى مطار القاهرة بدون المرور على المدينة.

قفلنا راجعين الى الخرطوم واستلمنا تأشيرة الوالدة الى امريكا، وعملنا حجز لسفر الوالدة عن طريق القاهرة ايضا. طلب منى صديق احمد نور وسامية عمل تقدير مبدئى لتكلفة التذاكر من والى القاهرة. فعملت تقديرات لم تكن مضبوطة كانت تقديرات أعلى من الواقع نتيجة خطأ ما. ولكنهم سامية وصديق مع ذلك ارسلوا هذا المبلغ الذى طلبت. وارسلوا تذاكر السفر من القاهرة الى امريكا، فكان على ان اصطحبها مرة أخرى الى القاهرة لتستقل الطائرة المتجهة الى أمريكا. وطبعا كنت عارف رقم السفرية وخطوط الطيران. كان الترتيب ان نصل مطار القاهرة فى نفس يوم اقلاع طائرة الوالدة الى امريكا، على ان يستقبلها صديق فى نيويورك. ومضت الخطة كما هى. وصلت مع الوالدة مطارالقاهرة، وصلنا الى البوابة التى تلج منها الى صالة انتظار المسافرين. بالطبع لا استطيع ان اصحبها لابعد من ذلك.

وعلى طول كنت اشرح لها انه فى المطارات هناك دائما لوحات ارشادية بعدة لغات تبين رقم السفرية والخطوط إلخ مما يعين المسافر. لم تعرنى الوالدة انتباها كانت واثقة من نفسها وثابتة، كأنها تقول لى لا تنزعج فلست منزعجة لشئ. بالطبع ما يزعجنى هو ان اللوحات الارشادية تحتاج الى تركيز فيها ومراجعة رقم السفرية فى التذكرة ومطابقته لشركة الخطوط وهكذا تفاصيل تبدو لنا مزعجة. وعندما وصلت الى النقطة التى سأفارقها فيها، أوصيت احد رجال الشرطة ومنحته بعض البقشيش فى عرف المصريين ليصطحب الوالدة الى آخر نقطة فى البوابة المؤدية الى طائرة نيويورك. وبعدها سألت الله تعالى ان يعينها الى ان تصل الطائرة. لاحقا شرحت لى ان رجل الشرطة لم يساعدها فى شئ، ولكنها استعانت بنساء مصريات فى ارشادها الى المكان الصحيح.

بعد ذلك كان على ان اخرج من المطار لاقضى ليلة لان حجزى للعودة بعد يوم واحد. وانا خارج من المطار كنت ألحظ اللوحات واتابع سفرية نيويورك. فجأة لاحظت ان السفرية المتجهة الى نيويورك تأجلت. طار صوابى...كيف يمكن أن أجد الوالدة  مرة أخرى...ولا تحمل هى تلفون للاتصال بها....فتوجهت الى أقرب مكتب استعلامات واستفسرته عن السفرية المؤجلة...وبعد ان عرضت عليه رقم السفرية تبين ان المؤجلة هى سفرية اخرى متجهة الى نيويورك ايضا. حمدت الله وأثنيت عليه. وتوجهت الى فندق متوسط الحال فقط لاقضى ليلة واحدة. ولكنى كنت على طول الليل على اتصال بالنت مع صديق وسامية. كنت أخبرهم عن كل هذه التفاصيل لحظة بلحظة. الى ان عبرت طائرتها الاطلسى كنت استغرق فى نوم عميق.

وفى الصباح ذهبت الى مطعم الفندق لاتناول إفطارى، وكنت أعمل فى ترجمة مقالة لمجلة التنوير حول مساجلات الغزالى مع الفلاسفة، وأمامى المقالة والورق وكنت اركز تركيزا شديدا، وافقت هذه الفترة امتحانات الطلاب المصريين لا أدرى نهاية عام أم خلافه....شاهدنى أحد العاملين فى الفندق منهمكا هذا الانهماك فحسبنى من الطلاب الجالسين للامتحانات لعله حن على حالى فتوجه نحوى بكل جدية ودعا لى : إن شاء الله تنجح. ومن الاتصالات علمنا بوصول الوالدة ورجعت السودان فى مساء ذلك اليوم.

طرائف الاقامة فى امريكا

وصلت الوالدة مطار نيويورك وكان فى استقبالها الاخ صديق احمد نور والاخ مالك عبد الله خميس. وحكت لى انها داخل مطار نيويورك كانت هناك اجراءات مطولة قبل استلام العفش. وبالطبع كل الحديث باللغة الانجليزية كانت تحمل فى يدها ورقة بها رقم تلفون صديق أحمد نور. كانت تمدها لاى شخص الى ان عثرت على شخص فهم انها تريد الاتصال بصاحب الرقم واتصلت بصديق حيث علمت انهم فى انتظارها خارج المطار. وساعدها بعض الاشخاص فى حمل العفش الى الخارج حيث المستقبلين. قضت يوم اعتقد مع ناس مالك ثم استأنفت السفر مع صديق الى نبراسكا الولاية التى بها سامية.

بالقطع كان استقبالها من قبل سامية واطفالها حارا لاسيما وان الرحلة متابعة بدقة منذ ان قامت الوالدة من الخرطوم. وان ابناء وبنات سامية عملوا على تجهيز غرفة خاصة بها من فترة. والحياة فى امريكا تختلف عن الحياة فى السودان وافريقيا لان تلك ثقفة لوحدها. كانت تقول ان كل الناس بيطلعوا الصباح ولا يعودون الا فى المساء. وبالطبع لن تستطيع سامية ان تجلس معها الا ايام معدودة وهى امرأة عاملة. ومما قالت ان احد احفادها لعله احمد كان عندما يهم بالخروج صباحا الى المدرسة، كانت تود ان تدنيه منها وتسلم عليه او تصبح عليه. فهى تحكى بشئ من الطرافة ان أحمد من مسافة مناسبة وهو خارج الى المدرسة يلوح بيديه ويقول لها...هاى... ويمضى فى سبيل حاله. كانت تقول لم ادرى ماذا تعنى هاى الا بعد زمن ليس بالقريب.

قضت الوالدة نحوا من ستة أشهر فى نبراسكا أجرت فيها سلسلة فحوصات وعملوا لها ملف ومقابلات راتبة ودخلت فى برنامج الرعاية الطبية وبموجب ذلك كان عليها ان تتعود على تناول كمية صباحية ومسائية من الحبوب والعقاقير الدوائية لاسباب متنوعة من بينها اشياء وقائية لمن هم فى سن الوالدة – أكثر من ثمانين عاما. كانت ترى ان هذه الكميات من العقاقير أكثر من طاقة احتمالها. أما سامية واطفالها فكان ذلك لديهم عاديا، بل هو جزء من طريقة الحياة الامريكية التى يعيشون. كانت تتناول ذلك فى صمت، يبدو انها لم تستطيع ان تقاوم هذه الثقافة او التيار فى نمط الحياة. كانت تورد ذلك عندما طلبت منها سامية مرة أخرى زيارة أمريكا وتقول انها لا تستطيع ان تتحل كل هذه الحبوب. حتى لحظة وجودها بالولايات المتحدة لم يكن هناك اية آثار تدل على مرض مقعد، قصارى ما هناك أمراض من شاكلة السكرى والغضروف وما إليه.

عادت الوالدة الى السودان لعله فى العام 2011 الى سربها سالمة غانمة. غير ان السفرية هذه المرة لعلها مباشرة او هكذا كان هناك connection فى أحد المطارات استطاعت تجاوزه يبدو بمساعدة مسافرين معها أوصتهم سامية عليها. واستأنفت حياتها العادية. وكانت تتناول بعض أدوية السكرى أوقفها عنها محمد، مما رأى عدم حاجتها إليها.



تزجية الوقت ومجتمع أمبده

كان المجتمع النسائى فى أمبدة  قدغلبت عليه ثقافة  التجمعات النسائية فى شكل جمعيات وتجمعات اسبوعية تنعقد بين الاقرباء او الجيران بنظام التداول   rotationفى مكان الانعقاد. ينعقد التجمع كل اسبوع فى منزل أحدى العضوات فى التجمع. نشطت الوالدة فى هذه الجمعيات مع الاخت منى لفترة طويلة. وكانت هذه الجمعيات تخدم أغراضا متنوعة. فعلاوة على انها تمثل مكانا وزمانا لاجتماع الاقارب والصديقات يتحسس فيه البعض أخبار البعض فهو ايضا مكان للترويح والانس والترفيه والخروج من الرتابة والمألوف فى البيوت، لاسيما وان الرحلة الى مكان الجمعية يعتبر فى ذاته برنامجا لانه فى الغالب الاماكن متباعدة، وتحتاج الى عربة أجرة أمجاد او خلافه. واذا تاهت الامجاد من صعوبة وصف المنزل المقصود تكون تلك مادة شيقة للانس على مدى زمنى يشبع الرغبة فى الإثارة والدهشة. وكان ذلك مما تحتاجه النساء لا سيما المتفرغات فى البيوت، غير ان النساء العاملات ايضا سايرن هذا الاتجاه وركبن موجة الجمعيات على الرغم مما يتكلفن من وقت فى سبيل هذه المجاراة..

وكنا فى بعض الاحيان فى المنزل نتفق على عمل شكل من أشكال التوفير الشهرى "صندوق" مع الوالدة ومنى وإخلاص كل يدفع من دخله الشخصى مبلغ خمسون جنيها لنصرف فى نهاية الشهر مبلغ 200 جنيه، وهو مبلغ كويس لقضاء شأن من الشئون. وعلى الرغم من وجود فاطمة لكنها لم تكن مشتركة فى هذا الصندوق ربما لان عندها دخل كويس.

استمر هذا الحال الطيب على مدى السنوات 2012، 2013،2014، وما ان دخل العام 2015 بدأت نذر تدهورفى الصحة العامة للوالدة. خففت الوالدة مشاركاتها فى الانشطة التى كانت تقوم بها. وبدأت تلزم البيت ولكنها كانت تشارك بفاعلية فى الاعمال المنزلية. وعندما بدأ يظهر عليها علامات نقصان واضح فى الوزن اضطر محمد لعمل فحوصات عامة لها، أظهرت دلائل اورام تحتاج الى عملية استئصال عاجلة. خضعت الوالدة الى عملية جراحية لاستئصال ورم خبيث. أجريت العملية بالمستشفى الصينى بمدينة امدرمان،  وبعد ذلك أصاب داء السكرى الاخت منى التى كانت تلازم الوالدة فى المنزل. ورقدت منى فى المستشفى الصينى لعدة أيام لضبط جرعة الدواء المناسب للسكرى. وعندما خرجت كانت منهكة القوى وظلت طريحة الفراش جنب الى جنب الوالدة. وكنا نقول ان ملازمة  منى للفراش جزء من الداء كنا نقول لها لابد من ان تقاومى المرض نفسيا قبل مقاومته عضويا. واستمر الحال كذلك لفترة منى والوالدة الاثنتين طريحتا الفراش، ووقع العبء الاكبر على الاختين مها وفاطمة لخدمة المرضى. وقد تحملتا المسئولية.

رحلة استشفاء الى القاهرة فى العام 2013

بعد إجراء العملية الجراحية كانت توصية الاطباء ان تداوم الوالدة على جرعات كيميائية فى مستشفى الذرة بالخرطوم. وهو لعله المستشفى الوحيد فى السودان ولذلك يتقاطرعليه المرضى من جميع انحاء البلاد، وعليه فهو مشفى مزدحم دائما باعداد لا حصر لها. بدأنا الذهاب الى هذا المستشفى وعن طريق طبيبة زميلة ل محمد عمر تيسر اختصار خطوات وكذلك عن طريق تأمين صحى لسمية عمر تم اختصار التكلفة المالية. وبعد ذلك تمت جدولة الجلسات فى برنامج المستشفى. فكان لازم يحضر المريض فى مواعيد محددة فى بعض أيام الاسبوع. ولكن صدف فى مرتين أن يتم تأجيل جلسة أخذ الجرعة نتيجة عطل ما فى اجهزة المستشفى. وتكرر هذا الامر، وبدأ بعض المرضى السفر الى مدنى حيث تسامع الناس ان هناك معدات طبية لهذا الغرض.

وبدأت الصحف تكتب عن هذا الامر وتزايد عدد المرضى، وشكلوا ضغطا على المستشفى وعلى الرأى العام. فى هذه اللحظة فكرت الاخت سمية فى السفر الى القاهرة لمتابعة هذه الجلسات فى مصر. واقتنعنا بالفكرة ولم يكن هناك بد منها لانها الخيار الاوحد المتاح. وقررنا ان تسافر مع الوالدة الاخت منى وسمية وان أظل من وراءهم أراقب الاحتياجات الضرورية لذلك. وفعلا سافر ثلاثتهم الى القاهرة، وكانوا قد عقدوا مواعيد مسبقة للمقابلات وللسكن غير طريق الكترونى كسبا للوقت. وكانت سامية قد علمت بالسفر واتصلت بهم واكملت احتياجاتهم المالية.

بدأت الوالدة جلسات علاجية لاسابيع فى القاهرة فى معية كل من منى وسمية، وصادف وجودهم فى القاهرة وجود الاخ اسماعيل اسحق فى ظروف عصيبة كان يمر بها الشارع المصرى بعد الثورة المصرية التى أتت بمرسى كأول رئيس منتخب لمصر منذ ان بدأت الخليقة. وكانت القاهرة تغلى بالمظاهرات بعد ان أسقط الرئيس مرسى فى ميدان التحرير ثم لاحقا ميدان رابعة الذى أضحى شعارا لمناصرى الرئيس مرسي. ربما كان سكن الوالدة قريبا من هذه الاحداث وهم بالطبع متابعين لها عبر التلفاز بأكثر من مشاهداتهم لها، الا عبر النوافذ. قضت الوالدة أكثر من ستة أسابيع فى جرعات كيميائية. بمعنى أنها أكملت الوصفة الكاملة ثم قفلوا راجعين الى السودان.

أيام القاهرة كنا نتابع عبر التلفون وسامية تتابع من أمريكا، ومما قالوه لنا ان المتابعين من جهات متعددة من السعودية الامارات  ومن ابرزهم المرحوم الخال عبد الرؤوف  الذى كان يتصل يمعدل يومى تقريبا. أما فى المنزل بأمبده فهناك فاطمة ومها وأمل عبد الرحيم

هجمة المرض الاخيرة  اكتوبر 2015- يناير 2016                                -

وبعد أكثر من سنتين من إجراء العملية وبعد العلاج بالقاهرة لاحظنا جميعا ان صحة الوالدة فى تدهور مستمر. استنصحنا د.جامع الذى أوصى بتحويلها الى طبيب لمزيد من الفحص. وقد كشف الفحص وجود ما يدعو الى استخراج سائل خلف الكبد، فأوصى الطبيب المعالج عمل أنبوبDrain  بواسطته يتم استخراج السائل،  وبعد العيد تم استخراج الانبوب. ظننا ان ذلك سيكون فيه نهاية المعاناة. ولكن ظهر ان من وراء الكيس الذى تم استفراغه ربما مواد خبيثة. وبدأت المعاناة والصحة تتدهور بصورة سريعة. وأبلغنى شريف الذى قابل ابن عوف الطبيب الذى اطلع على ما كتبه د.نجم الدين  فى تقريره عن الحالة بعد استخراج السائل. بانه لا ينصح بأى تدخل طبى آخر، وقد عزز محمد ما ذهب اليه بن عوف، وهو ما لم يقبله شريف. غير انى رأيت ان الطبيب – أى طبيب - له حيلة محدودة وقدرة وفق ما يستطيع. فتراجعت الى الحقيقة الكبرى ان صاحب القدرة الحقيقى أحق ان يسأل، فقلت لله الامر من قبل ومن بعد. وطلبت الدعاء لها من اخواتى والقروبات التى اشترك فيها على الواتس. وازدادت ثقتى فى الله مصرف الامور جميعا. وسألت نفسى: كيف خفى عنا ان نطلب الشفاء من واهب الشفاء الحقيقى ونحن ندعى ما ندعى من.....ومر علينا يوم عاشوراء فطلبت الدعاء من أهل عاشوراء من الصائمين. وكنا ضيوفا على مائدة افطار ذلك اليوم فى مسجد الشيخ المرحوم أحمد على الامام فى مناسبة دعانا اليها الشيخ الزبير احمد الحسن.

27 اكتوبر 2015 الثلاثاء

 واليوم الذى سبقه الاثنين والذى سبقه الاحد هذه الايام العصيبة فى فترة مرض الوالدة بعد نزع الانبوب. ازورها كعادتى صباح مساء. بعد تدهور الصحة وفى الايام التى ذكرت، بدأت اجلس معها ساعة او ساعتين فى المساءات فى ونسه وهى متعبة غاية التعب ولكنها مصرة على محادثتى طالما انا جالس بجوارها. واسقيها الماء بمساعدة اخواتى. لا تقو على الجلوس الا بمساعدة. ولا تشرب الا بمساعدة. وان ساعدتها كأنك تسند طفلا من خفة وزنها، وأضحت كالهيكل العظمى اللطيف وحينما بدأت شهيتها تقل بدأنا تركيب دربات للتعويض بعد ان استفرغت مرة او مرتين.  وفوق ذلك قرر لها محمد 8 حقن ملاريا، مخافة ان تكون الملاريا هى سبب الاستفراغ.

ولكن الذى دعانى لتسطير هذه السطور هو اننى لحظات جلوسى معها كنت اشعر بالحميمية التى هى ديدن الابن مع والدته، وازداد حبى لها  ولكن الشئ الذى اختلف ليلة البارحة واليوم هو مقدار من السعادة غامر انتابنى وانا اجلس بجوارها اسندها بيدى واحادثها، واناولها الماء لتشرب، او اناولها المنديل لتزيل به البلغم الذى تمسحه عن شفتيها الناحلتين. فاستغربت فى امرى كيف تنتابنى سعادة والوالدة فى فراش المرض الذى أعى من يداويها. فكنت اذكر حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم "من أحق الناس بحسن صحابتى......."، وأشياء يصعب التعبير عنها. ولعل فوق التعبير عنه  المضنون به.

وغالبا ما كانت تطلب منى ان ارتاح او ان استلقى ان شعرت بأنى جلست لوقت طويل. وعندما تبلغ الساعة العاشرة او الحادية عشرة ليلا استاذن منها للذهاب ومعاودتها فى الغد. وهى طريحة فراش لا تكاد تميزها عنه من شدة ما نالها من المرض . واذكر بهذه المناسبة قبل عدة سنوات وهى بقوتها عندما كنت ازورها فى امبده واقضى ما شاء الله من وقت معها. كانت تخرج معى مودعة إياى الى خارج باب المنزل حتى اركب العربة وتتحرك العربة وهى واقفة ولاتدخل حتى تختفى العربة من ناظريها. كانت تفعل ذلك مرارا، وقد ذكرت ذلك لبعض ابنائى. ولكن اين الليلة من البارحة....

الاربعاء 28 اكتوبر 2015-10-28

ذهبت بعد صلاة المغرب الى الوالدة وهى طريحة الفراش، صوتها اليوم أقوى من البارحة غير انها مستلقية ويضايقها البلغم الخارج من المعدة، يبدو انها تناولت شئ من الطعام فيه دهون، وذكرت لى انه عندما تتناول شئ من الطعام يستمر هذا البلغم فى الخروج من الفم. ولذلك بجنبها دائما صندوق من المناديل تستخدمه لازالته من شفتيها اللتان يعانيان من الجفاف. وتم تركيب الدرب الاول والثانى وأعقبتهم الممرضة بحقنة ملاريا. والحاجة بين النوم والصحيان. وتظل تحادثنى وتفتح مواضيع من أجل اشاعة الطمأنينة على من حولها. تتحدث عن الاطفال، وتتحدث مع شريف بالا داعى للذهاب الى د. كمال حمد طبيبها الاول. وكان شريف قد أصر على ذلك ولكنه لم يتمكن من ذلك لان الاوراق والفحوصات الضرورية غير موجودة وبحثت منى وسمية من غير فائدة.

فى هذا الاثناء طلبت اجازة من الجامعة ومن الهيئة لا ستطيع التفرغ ولو جزئيا الوفاء ببعض دين الوالدة علينا. الاخت وزيرة الرعاية والضمان الاجتماعى طالبة منى المساهمة معها فى عمل الوزارة فى مجال التنمية الاجتماعية، لعلى اتوكل على الحى الدائم  أستخير الله تعالى اليوم  وأرد عليها غدا ان شاء الله.



البرنامج اليومى مطلع نوفمبر2015

دخل شهر نوفمبر واضحى برنامجى اليومى مقابلة الوالدة صباحا عند الخروج وكذلك المغرب حتى العاشرة مساء. وأيام تتحسن الصحة واحيانا تسوء. ولا تستطيع الاكل solid فقط مشروبات اضافة الى المحاليل الوريدية بالدرب. أحرص على الجلوس فى مقابلتها فى كرسى، أتامل وجهها الشاحب ولكنى اسعد أكثر بملامسة جسمها لاتحسس ارتفاع الحرارة. وكثيرا ما تفتح معى مواضيع، ذكريات عن الدويم وانا أساأل لا ستفيد فى كتاباتى حول الوالد التى اكتبها الان. وهى خير معين فى هذا الامر.

الواقع انها لا تخضع لاى علاج، هى لم تسأل عن ذلك، ربما ثقتها فيما نعمل. وقف مجهود الاطباء او استنفذ وسعه، ولا سبيل لنا الا التوجه الى الله الواحد الاحد. أخى الاصغر شريف غير مقتنع بهذه النظرية وهو عاتب علينا كيف ننظر لها هكذا مكتوفى الايدى. من قائل لابد من البحث عن علاج فى الاردن او مصر هكذا ايضا كانت تقول الاخت فاطمة. الى ان فكرت سمية فى نقلها الى أى مشفى بعيدا عن المنزل الذى يمتلئ بالزوار، اتصلت بمحمد الذى وان لم يحبذ الفكرة جلس للتداول معنا بالليل غير ان الوالدة نفسها لم تقبل الفكرة.

اليوم السبت 28 نوفمبر 2015

تحسنت الحالة فى الاسابيع الماضية، وكنت ضمن قروب فى الواتساب مع ناس كوستى كثيرا ما كنت أطلب منهم الدعاء للوالدة. أرسل الى الاخ مأمون كيلة رقية من القرآن صغار الصور وبدأت فى تطبيق الرقية بصفة يومية.  بدأت تقول انها تحس بالجوع وهذا مما لم يكن يحدث من قبل شهرين. فانتقل الاكل من سوائل الى طعام solid، وهو تقدم ملحوظ. وعندما أخبرنا الوالدة ان سامية قادمة من الولايات المتحدة للاطمئنان على صحتها، هالها الامر لانها كانت تعلم ان هذه المواعيد الاطفال فى المدارس ولم يحن موعد الاجازات بعد وعليه فسامية تنتظر بالراحة تنظم زيارتها. وعندما استقبلت سامية فى المطار تظاهرت رباطة الجأش ولكن داخلها كان مضطربا. ووصلت سامية  طبعا لوحدها فى زيارة طارئة فى هذه الايام العصيبة وهى تحمل وصفات عشبية وبعض المكملات الغذائية. ولكن معدة الوالدة لم تكن تتقبل سوى الاشياء التى اعتادت عليها. كانت سامية اضافة حقيقية الى الطاقم الممارض من أخواتى. ولم تنشغل سامية بأية أجندة أخرى سوى الوالدة. كانت اجازة سامية فقط اسبوعين انقضت بسرعة.أحضرت معها وصفات لخلطة تجمع خضروات وفواكه، وتناولتها الوالدة ولكن لم تستطع هضمها ما أدى الى استفراغ افقدها بعض الصحة التى وصلتها. وتراجعت حالتها وغار صوتها ولكنها لم تفقد رباطة جأش فكانت تتحدث ما استطاعت الى ذلك سبيلا، فى قضايا الحياة اليومية ربما لتخفف عنا ما نحسه من معاناتها. والامر انها لا تشعرك انها تتألم غير انها تتهالك وتتناقص قواها رويدا رويدا.





الاحد والاثنين 29-30 نوفمبر 2015

هذه أيام عصيبة بدأنا نشعر بانها تتألم لدرجة الانين، وهذا مما لم يكن من قبل، وظلت خائرة القوى مغمضة العينين طوال الوقت، ووجدنا صعوبة فى تناول اية وجبات سائلة ام غير ذلك. وبدأ الجميع حولها ولأوقات طويلة، وظلت تردد فى يوم من الايام سورة الفاتحة أستطعت ان أتبينها من صوت خائر وبعيد ومكسر ومتقطع. وفاطمة وصفت هذه الحالة بالهذيان. واتصلنا بمحمد وأوصى بالمحاليل الوريدية للتعويض عن الاستفراغ وللمحافظة على الطاقة. ولا تزال فى حالة تشبه الاحتضار. والجميع يقرأ القرآن، وسمية التزمت ياسين.

 سفرى الى الولايات المتحدة سبتمبر 2015

وفى أثناء وجود سامية أتتنى الدعوة للسفر الى أمريكا تلبية لدعوة مركز كارتر فى هذه الظروف العصيبة. ولمدة خمسة أيام، تحسست رغبة الاخوات، وعلى الرغم من صعوبة مغادرة البلاد والوالدة فى هذه الحالة الشبيهة بالاحتضار توكلت على الله، وقررت أن أسافر لهذه الايام الخمسة، وتذكرت قولة الوالد عليه رحمة الله " ان الميت ما بنحرس". وأن الامر بيد الله من قبل ومن بعد. وعلى الرغم من  الحزن الذى كان يخيم على المنزل جميعا، رأيت ان سفرى ربما أشعر من حولى أن الامور عادية ينبغى ان تترك لله وحده. ولكن مها لم توافق لانها بتقول لى "أنك مثبتنا" فى هذه المصيبة الجلل. والحق يقال كنت أحس بذلك. وعندما خرجت من المنزل وانا متوجه الى المطار ودعت الجميع ما عدا مها التى لم تكن تقو على ذلك.

سافرت لمدة خمسة أيام  كانت هى زيارتى الاولى للولايات المتحدة الامريكية بدعوة من مركز كارتر المرتبط بجامعة إيمورى بمدينة اتلانتا جنوب الولايات المتحدة، وهى ولاية شهدت الحرب الاهلية الامريكية وبها وجود كبير من الامريكان من أصول افريقية. وعندما عدت من هذه السفرية وجدت ان سامية قد رجعت ربما فى نفس يوم عودتى.

كانت الحالة تستقر وتتدهور وتتقدم وتتأخر على هذا المنوال طوال شهر ديسمبر. وعندما دخل شهر يناير كانت الحالة قد وصلت قمة التدهور. والاخت فاطمة لم ترض أن نقف مكتوفى الايدى ونحن ننظر الى الحالة تتدهور. وطالبتنا بإحضار اسعاف وان نحملها هكذا الى اى مشفى داخل او حتى خارج السودان. وأذكر مما قلته لها: إن الوالدة لن تستطيع ان تبرح المنزل قيد أنملة.

اليوم الاخير

قبل يومين من الوفاة كنت أطيل الجلوس إليها وهى مغمضة العينين، ولكنها كانت تحس بوجودى. كنت أتلو عليها بعض السور التى كنت أتلوها عند الرقية الفاتحة والمعوذتين والاخلاص وسورة قريش. وكانت بعض الاحيان لوحدها تردد سورة الفاتحة بصوت متهدج. وقررت أن أذكر الله جهرة معه. وفى يوم الجمعة قبل الوفاة بيوم ظللت أردد الشهادة وهى تردد معى طائعة بدون أن أطلب إليها ذلك. وعندما تتعب من الترداد تطلب منى التوقف. كنت أفعل ذلك من باب الاستعانة بالله والتوكل عليه. وظللنا على هذه الحالة طوال يوم الجمعة تفصلنا الصلوات. ولم تكن تقو على الحديث، بل لم تتحدث من بعد ذلك أبدا. وعندما اسدل الليل استاره أستأذنت اخواتى وذهبت الى منزلى باى سعد.

وعند فجر السبت عندما رجعت وجدها مستلقية فى وجود إخلاص وسمية ومنى والجميع وكانوا فى حالة من الصمت الرهيب بالطبع بدون حديث. لم أشأ ان اردد مع الوالدة ما كنت أفعله معها فى الليلة السابقة. وسألتنى سمية ماذا تسمى هذه الحالة؟.. مما رأت من تكرارى للشهادة ....كانت تريد منى أن اقول لها انها حالة احتضار....وقد كانت كذلك.. ولكنا لم نكن نعلم ذلك يقينا بالطبع...وعندما لم تتحدث معنا أو تحرك ساكنا منذ البارحة... بدأنا نشك فى حالة الوفاة....وعلى وجه السرعة اتصلنا بمحمد وكذلك الخالة شامة والحبوبة حواء لبن. وخرجت أبحث عن كفن ومستلزمات تجهيز الميت.... وكنت متماسكا لايبدو على اية اضطراب. كان أول من قابلت الاخ الطاهر حجر فسالته كيف أجد كفنا فى هذه المنطقة..فرد على بدون ان يعيرنى انتباها...ان والده او والدته كان يحتفظ بكفنه لوحده.. حتى لا نبحث عن ذلك...تركته وأتجهت اتجاها آخر.

رجعت الى المنزل وكان به رهط من الناس. وصل محمد عمر وأجرى بعض الاختبارات على العينين وما الى ذلك... وعلمنا بالوفاة من بكاءه... وبعد ذلك وصلت جميع المستلزمات تباعا. وعندما تم التجهيز كان الظهر قد قرب، فقررنا انتظار صلاة الظهر لنصلى عليها فى المسجد ثم نذهب الدفن بمقابر حمد النيل.

نسأل الله تعالى لها الرحمة والمغفرة فقد كانت أم لمجموعة من الابناء والبنات والاحفاد مطالبون بالدعاء لها ليل نهار. وهى فوق ذلك شهيدة لانها توفيت بداء البطن والمبطون هو أحد الشهداء الذين ذكرهم المصطفى صلى الله عليه وسلم، فى الحديث المشهور.

أيام العزاء

كان العزاء قد تقاطر اليه الناس من كل صوب. فقد كانت الوالدة والدة لجيل من الابناء والبنات والاحفاد والاصهار والاهل والاقارب فى كل من امدرمان والجزيرة أبا وكوستى وربك وقلى ومن هم فى خارج السودان.

الطلب الى جامعة السلطان قابوس


 



هذا هو فيديو كان جزء من مطلوبات التقديم  لجامعة السلطان قابوس والتى تقدمت اليها فى شهر


 مايو 2025، من مكتبة جامع السلطان قابوس بمدينة صحار بسلطنة عمان  التى اكتب منها هذه الكلمات.