فائز جامع
الاثنين، 25 مايو 2026
الأحد، 22 مارس 2026
جدنا الأكبر محمد عثمان عرجة ١٩١٨ - 1985 جدنا الاكبر محمد عثمان ارجه 1918-1985
جدنا الأكبر محمد عثمان عرجة " ابوحوا " 1918-1985
الاسم الكامل محمد عثمان ارجه قلدى بليل , ويحمل اللقب “ جانقى “ . تحكي لنا الوالدة ان والدها قدم من دارفور الي الجزيرة ابا إثر خلاف نشأ بينه وبين عمه بعد وفاة والده عثمان ارجه وهو فى عملية “تكحيل بئر” او نظافتها. هو ينتمى الى فرع قبيلة الزغاوة “اولاد نقوى”. اسم والدته حضيرة وقد بدا الخلاف مع عمه بعد أن تزوجت والدته حضيره من شقيقه اسماعيل وانجب منها بخت وإبراهيم ويعقوب ومحمد اسماعيل ، (كما ذكر عثمان محمد عثمان الذى زار دارفور 1981). بدا الخلاف حول ملكية الأبقار التي كان يملكها الوالد وطريقة تقسيمها. وتقول الرواية انه خرج مغاضبا.
اما عندما وصل الجزيرة ابا فقد كان نزله عند أقرب الناس اليه وهي عمته والدة الحاج المرحوم بشر إدريس كما ذكر لى الحاج بشر ادريس بنفسه، هذه رواية اما خالنا عثمان فيرجح انه نزل مع ابن عمه ادريس اسماعيل الذى يكبره سنا.ونشأ في الجزيرة ابا ولم يكن من “العمال” الذين ينخرطون في العمل مع دائرة المهدي ولكنه من “الأنصار” الذي يحتفظون بولاءهم لحزب الامة ولكنهم يستقلون بانشطتهم المعيشية لوحدهم كما هو حال عدد غير قليل من سكان الجزيرة ابا .ثم ما لبث بعد ان شب عن الطوق ان التحق بالعمل في أنشطة وزارة الصحة المتعلقه بصحة البيئة.
وفي الجزيرة ابا تزوج من الحاجة المرحومة فاطمة حسن مسبل من أسرة ال مسبل وانتقل بها إلى قرية قلي فى الضفة الغربية من النيل الابيض حيث انجب منها ابنتيه الكبريين حواء ونور الشام وكان من زملائه في العمل المرحوم حجر سبيل .وفى قلى بدأ كعامل صحة فى مكافحة الناموس وتدرج الى شيخ عمال إلى مساعد ملاحظ . وكانت تتيع له منطقة ممتدة من الطويلة حتى الشور يقطع هذه المسافة على ظهر حمار توفره له الحكومة بكامل ملحقاته من سرج وبردعة وعليقة شهرية. ويحمل معه زجاجات فيها محاليل واخرى فارغة لاخد عينات المياه المراد فحصها ومياه الابار السطحية . وكان له زى رسمى عبارة عن قميص كاكي وردا كاكى وجزمة باتا وكذلك برنيطة تشبه التى يلبسها الضباط اداريون اليوم وكذلك يلف الساق بشاش له يستخدمه رجال الشرطة والجيش فى الزمن السابق. وكان له راتب منتظم وفر له حياة ميسورة مقارنة مع من حوله. وكان يزرع بلدات زراعة مطرية. ومن زملائه جبر الدار فى حى النصر حاليا.
قرية قلي التي استقر فيها كان الجد يسكن بحى الأنصار بجوار ابن عمنا إسحق إبراهيم سبيل. وبعد أن انتقلت زوجته الحاجة فاطمة حسن بابنتيها الي الجزيرة ابا تزوج الحاجة زهرة صالح زميلة ابنتيه حواء وشامة في المدرسة وهى فى العمر اقرب الى حواء التى كانت كثيرة الشغب مع زميلاتها . وانجبت الحاجة زهرة صالح عدد من الأبناء والبنات : فائزة ، عبدالرؤوف، وعثمان وهؤلاء فى منزل حى الانصار قبل ان ينتقل بها جدنا الى حى المدارس الذى قضى فيه بقية حياته، وفيه انجب فردوس والفاضل وفاطمة وكمال وكرام وجمال وامام واكرام والرشيد حفظهم الله جميعا.
اما المنزل الذى بحى المدارس فقد تم شراؤه من اسرة الحاجة “ ام فرسين “ وهو منزل واسع جدا وبه زريبة للابقار ولها راعى خاص للعناية بها. وكان بالقرية عربة نظافة تجرها البغال. وقد شارك جدنا محمد عثمان فى انشاء مدارس القرية. وكان الراديو يمثل اداة الاتصال الجماهيرى المهمة وكان منزل جدنا محمد عثمان به راديو ضمن ثلاث بيوت اخرى بها اجهزة راديو حيث يجتمع نفر من اهل القرية للاستماع له.
قرية قلى
اما قرية قلي لم تخضع للتخطيط على الرغم من ان القرى مثلها تم تخطيطها كالشوال وام هانى. الاحياء الحالية بقلى هى حى الشاطى وحى الجامع والشفا وحى المدارس وحلة بانت تأسست قلى كمشروع زراعي من استثمارات يعقوب ابن الخليفة علي ود الحلو وكان مشروعا مدعوما من دائرة المهدي عبر رواتب العاملين وكذلك دعم فني عبارة عن تدريب وكذلك إشراف من الاسري الطليان الذين تم اسرهم بواسطة البريطانيين عندما انهزمت ايطاليا من بريطانيا فى معاركهم اثناء الحرب العالمية الثانية ، وقد تم تخيير هؤلاء الاسرى بين السجن او العمل فى السودان تحت رقابة الحكومة. ووافق الاسرى على العمل فى السودان وكان نصيب دائرة المهدى هذه المجموعة وقد استفادت منهم الدائرة فى طلمبات مشاريع الدائرة على طول النيل الأبيض في صيانة وإصلاح اعطال الطلمبات.ويذكر المهندس اسماعيل اسحق ان والده ذكر له ان " الفنيين الطلاينة كانوا يسكنون فى استراحة بالقرب من بيارة طيبة ووفر لهم السيد عبد الرحمن المهدى بها كامل التجهيزات الاقامة الطيبة من طباخ وعامل نظافة وخفير". والطريف كا يذكر اسماعيل اسحق عن والده " ذكر له ان ما يعكر صفو هؤلاء الاسرى هو قدوم المفتش الانجليزى فى زايارته الدورية للتاكد من انهم يتصرفون بموجب شروط اقامة الاسير وكان ذلك يعتمد ايضا على تقرير السيد عبد الرحمن عن سلوكهم وعدم محاولتهم الفرار". وعمل هؤلاء الاسرى كذلك على تدريب عدد من أبناء الجزيرة ابا على التعامل مع طلمبات ضخ المياه من النيل لهذه المشروعات وابرز من تم تدريبهم في هذا المجال منهم:
1. ادم النور عقيل والد الدكتور محمد ادم النزو عقيل
2. ابراهيم احمد والد الدكتور يعقوب ابراهيم الملقب ب " امير".
3. يعقوب ادم وكان مسئول الوابور فى بيارة مشروع الزليط الزراعي
4. وآخرين في الملاحة والشوال ..
النظارات والعموديات
كانت فى النيل الابيض نظارتان احداها فى الشمال وهى نظارة الحسانية فى منطقة الهشابة وتضم الحسانيية والكواهلة والحسنات والنظارة الاخرى هى نظارة البقارة المتحدة وهى نظارة الجمع وتتبع للشريف مكى عساكر. تقع قلى ضمن نظارة البقارة المتحدة عمودية الشنخاب
قلي المسيرة التعليمية
وقرية قلى تعتبر من اكبر القرى على الضفة الغربية للنيل وكانت تعتبر معدية بنطون الى قرية الشوال فى الضفة الشرقية للنيل، علاوة على كونها مرسى للبواخر القادمة من الخرطوم ومن اهمها الباخرة المسماة " الطاهرة " التى يتنقل بها السيد عبد الرحمن المهدى جيئة وذهابا من الخرطوم الى الجزيرة ابا. وقد انشأ البريطانيون فى قلى مدرسة صغرى فى العام 1938 قد تم ترفيعها الى مدرسة اولية فى العام 1946 بمبادرة من السيد يعقوب الحلو المستثمر الاول فى مشروع قلى الزراعى. هناك عدد من أبناء الجزيرة ابا واصلوا تعليمهم في بلدة قلي على الرغم من وجود مدرسة اولية فى الجزيرة ابا تم انشاوها فى العام 1924 فى فترة سابقة لمدرسة قلى. وقد تكون هناك اسباب دفعتهم الى ذلك منهم:
1. يحي بشر إدريس
2. عبدالعزيز إدريس
3. الهادي محمد احمد
4. ليلى عبدالله سبيل
5. أحمد يونس
6. بخيت عثمان عمر
7. محمد عثمان عمر
8. عبد الله خميس النور
9. عبد الله بخت.
وكان فى ذلك الزمان تتوفر الملاحةالنهرية التى كانت تنشط فى الخريف حيث هناك خط نهرى يربط الخرطوم بالنيل الابيض ويخدم كل القرى والبلدات على طول النهر. وقد ذكرت لنا الحاجة زهرة صالح انها رفقة جدنا استقلوا الباخرة من قلى الى الدويم حيث كانت الوالدة حواء محمد عثمان وزوجها الوالد عمر محمد جامع يستقرون فى مدينة الدويم.
الوفاة
وقد كانت وفاة جدنا محمد عثمان فى مدينة ن امدرمان حيث كان يستشفى وتاريخ الوفاة فى رمضان 1985 وتم قبره فى مقابر احمد شرفى الشهيرة امدرمان وهي تقريبا المقابر التي يفضلها الأنصار .
الاثنين، 3 نوفمبر 2025
د. محمد عمر جامع (بايوقرافى) Biography
هذه محاولة لكتابة سيرة حياة لشخص غير الكاتب خلافا للسيرة الذاتية التى يكتبها الشخص عن نفسه. اكتبها الان عن أخى الاكبر د.جامع لكن خلال ذلك أجدنى كانما اكتب عن نفسى. ومعلوم ان الاخ هو أكثر انسان يعيش معك تفاصيل حياتك كما هى منذ البداية . ولابد لى ان اقول ان اخى الاكبر الدكتور جامع كان هو معلمى الاول قبل أن أدخل المدرسة ذلك لأنى تعلمت منه مهاراتى الحياتية التى طورتها معه لاحقا. اقول ان هذا التوثيق هو بمثابة وفاء له على ما قدم لى وما أدين له به، فله التجلة والتحية .
نشأ وترعرع الابن جامع في بلدة الجزيرة أبا مع جدتنا والدة الوالد الحاجة "خادم الله بنت نيل"، وعندما بلغ سن المدرسة اصطحبه الوالد الى مدينة الدويم حيث كان يعمل وكان الوالد لحظتها قد تزوج زوجته الثانية " حواء محمد عثمان" التي هي والدتنا، وبدأ مساره التعليمى بمدرسة الدويم الريفية، وهى المدارس الملحقة ببخت الرضا التي يتدرب فيها المعلمون الجدد. ثم بعد ان انتقل الوالد من الدويم نقل الابن محمد مرة أخرى الى الجزيرة أبا حيث التحق بمدرسة دار السلام الأولية في الحى او القرية التي تقع مباشرة الى الجنوب من أرض الشفاء حيث سكن حبوبته " خادم الله"
حى أرض الشفا
مؤسس الجزيرة أبا كقرية او بلدة هو السيد عبد الرحمن المهدى ضمن مشروعات دائرة المهدى الزراعية. ولذلك فان تسمية الاحياء لها دلالات دينية فعلى سبيل المثال : طيبة، قباء، الرحمانية، دار السلام، ارض الشفاء، الغار...الخ. ثم ان المجموعات السكانية التي استقرت في مركز الجزيرة أبا اطلقت على الاحياء أسماء القبائل التي تسكنها. فهناك فريق برتى، وفريق زغاوة، وفريق مهادة، وفريق رزيقات....الخ.
حى أرض الشفاء من الاحياء التي يسكنها خليط من السكان من قبائل شتى. أما الحاجة "خادم الله بت نيل" التي توفى عنها زوجها الأول محمد جامع في منطقة التبون التي تقع في الحدود بين دارفور وكردفان، تزوجها اخوه آدم جامع كما هو التقليد في ذلك الزمان، هي التي احتضنت الطفل محمد وهو في طور الدراسة في مراحله الأولية. وارض الشفاء يفصلها عن دار السلام 3 او 4 كيلومترات تتكون بينهما مجارى مائية تمتلىء في فصل الخريف. كان التلاميذ في تلك الأيام يحملون معهم وجبات الإفطار من منازلهم، يندلق عدد منها في الماء مع محاولات الأطفال العبور. وكان محمد يحكى لى ان بعضهم يتناول افطاره قبل العبور وهو يقول " خير من ان يتدفق في الماء"، في ذلك الصباح الباكر.
وقد كان للطفل محمد اصدقاء ورفقاء فى هذا الحى ارض الشفا نذكر منهم الفاضل عبد الله، واحمد سليمان حمر وشقيقته نفيسة سليمان حمر وقد كانوا يتفاوتون فى اعمارهم ولكن جمعهم هذا الحى. ويفصل منزل الحاجة "خادم الله بنت نيل" غربا شارع يفصل بينها وبين المسجد وقد كان فى المسجد خلوة يقوم عليها من كنا نسميه "سيدنا عبد البارى" وقد محمد عمر يذهب اليها وربما تبعته اليها.
وكانت الحاجة "بت نيل" وهى قد فقدت بصرها في فترة باكرة من حياتها، تربى عدد من الابقار في منزلها بواسطة بناتها وحفيداتها. وعندما جاء الطفل محمد الى المدرسة كانت معها فقط حفيدتها روضة أدم. وكان محمد وروضة يقومون على الاهتمام بالابقار التي عندها أسماء "بيضا" و"صفرا" و "كرتك". في بعض الأحيان يذهب الطفل محمد الى الحقول حتى ناحية الجاسر وهو يرعى الابقار واكون معه أحيانا وأحيانا أخرى الطفل منير موسى نمر الذى مكث فترة مع بت نيل في ارض الشفاء. وفي الاجازات كنا نذهب انا ومحمد الى الوالد في الزليط بعد ان انتقل اليها من الدويم
1971-1968سنار المدينة
في سنار استأجر الوالد منزلا في حي التعايشة سكنت فيه الأسرة. وكان المنزل قريبا من بحيرة خزان سنار. عندما تمتليء البحيرة نكون على الشاطي. فكان محمد ماهرا بالسباحة وتعلمت منه العوم في هذه البحيرة حتى كنت اقول لرفاقي لقد سبحت في كل المسطحات المائية في السودان. فكنا مع محمد نكاد لا نفترق. كان بالمنزل ثلاجة تعمل بالجاز وكان المنزل مليئ بصفائح الجاز الفارغة. فكنا سرا نأخذ هذه الصفائح الفارغة الي السوق نبيعها وبثمنا ندخل سينما سنار او نذهب إلى حديقة الخزان الجميلة.
اما انتقال محمد من مدارس الجزيرة ابا الي ربك فكان بسبب ان جدتنا "خادم الله بن نيل" تقرر ان تذهب لتعيش مع ابنتها عائشة جامع في امدرمان. كان هذا بعد أن امتحن محمد الي الثانوي ولم يوفق. فقرر الوالد أن يعيد في مدرسة عبدالملك الوسطى بربك ليمتحمن مرة أخرى. ولكنه قضى فقط ستة أشهر وتم فصله من المدرسة نتيجة مشكلة مع مدير المدرسة وصاحبها الذي اوصي لمكتب التعليم يمدني بعدم قبول الطالب محمد باي مدرسة في مديرية النيل الازرق . وقصة فصله من مدرسة دار السلام هذه لا تزال فى ذاكرته لم ينسها ابدا لم يسامح الاستاذ عبد الملك ابدا رغم رجاءاتى المتكررة له بذلك.
في ربك قضى محمد ايام جميلة مع رفقائه أصدقائه وكونوا مجموعة وذهبوا للعمل في جبل مويه كعمالة زراعية. وعندما عادوا من رحلتهم تلك كانت مليئة بالقصص والمغامرات والتقشف. ولكنها كانت تجربة مفيدة وهم في أعمار باكرة كشباب مطل على الحياة من جميع أبوابها.
فبذل الوالد جهدا كبيرا مع مكتب التعليم في مدني حتى اقنع السلطات التعليمية بقبوله في مدرسة سنار التقاطع الوسطى. وفي هذه الفترة تفتحت على محمد ملكة الرسم فكان يقضي جل النهار يرسم اللوحات الطبيعية منها ما يعلقه على الجدران ومنها ما يهديه الي معارفه واصدقائه. ومن مدرسة سنار التقاطع امتحن للثانوي وتم قبوله بمدرسة كوستي الشهيرة بمدرسة كوستي القوز الثانوية.
مدرسة كوستى القوز وجامعة الخرطوم
مدرسة كوستى الثانوية تعتبر من المدراس الثانوية الشهيرة من الجيل الثانى للمدارس الثانوية التي أنشأت في نظام عبود، حيث كان الجيل الأول يضم حنتوب وخور طقت ووادى سيدنا. وكان محمد في القسم الداخلى بالمدرسة. وقد سبقه إليها ابن عمنا عبدالله شريف جامع وكذلك المرحوم صلاح علي ادم. كنت أزور محمد وانا من الجزيرة أقضى معه يومى الخميس والجمعة في الداخلية. والمدرسة تقع في قوز أبو شريف وكانت أبو شريف هي قرية مجاورة لمدينة كوستى لكنها الان أصبحت من أحياء المدينة. وكان القبول في المدارس في ذلك الزمان يتم عبر الراديو حيث لكل طالب رقم مسلسل تذاع أرقام الطلاب المقبولين وليس اسماءهم. وكانت هذه الإذاعة مشرفة للطلاب الناجحين. ألطالب محمد إذيع اسمه وكنا لحظتها في ربك.
في هذه المدرسة تفتح ذهن الطالب محمد ونضجت ملكاته العلمية فتقدم الي المساق العلمي الأحياء الذي هو المدخل إلى الجامعة. جلس لامتحان الشهادة السودانية واحرز نتيجة اهلته لدخول جامعة الخرطوم في ذلك الزمن منتصف السبعينات. وكان الدخول إلى جامعة الخرطوم من الصعوبة بمكان. لان كل طلاب السودان يتنافسون على جامعة حكومية واحدة هي ج الخرطوم وجامعة امدرمان الإسلامية وجامعة القاهرة فرع الخرطوم. ومن اصل ٦٠ الف طالب كانت هذه الجامعات الثلاثة في مقدورها استيعاب اقل من ٣ الف فقط. وهناك قلة من الموفقين يحظون بمنح دراسية خارج السودان. في تلك الفترة بداية السبعينات تم قبولي بمدرسة البحر الأحمر الثانوية في بورتسودان، وكانت البلد بها مظاهرات ثورة شعبان والصراع بين نظام مايو وبقية الاحزاب السياسية لاسيما في المدرسة. وكان هناك نشاط سياسي لناس الاتحاد الاشتراكي. فنصحني محمد نصيحة مهمة الا انتمي الي حزب الاتحاد الاشتراكي لانه سيأتي اليوم الذي يصير فيه الاتحاد الاشتراكي سبة على الإنسان. فاخذت بنصيحته وانتفعت بها.
عموما كان نظام الدخول الى الجامعة عن طريق ما يعرف " البوكسن" وهو مجموع ثلاث من مواد التخصص . تمكن محمد من الدخول الى جامعة الخرطوم الى كلية العلوم التي تعتبر تمهيدي للكليات العلمية . وكان محمد في القسم الداخلى كان يترأي لي ان كل طلاب الجامعة يسكنون في داخليا ت الجامعة التي كانت تقدم كل الخدمات للطلاب من سكن واعاشة وعلاج بصفة مجانية. وكانت تلك هي الحقبة الذهبية لطلاب جامعة الخرطوم حتى اسموها " الجميلة ومستحلة" على اغنية الفنان محمد وردي. بينما كانت جامعة ام امدرمان الإسلامية تسمى " فاقدين حنان" ، اما جامعة جوبا ولبعدها عن وسط السودان كان اسمها "غربة وشوق". والقصص والحكاوي كثيرة عن داخليات جامعة الخرطوم ويقال ان هناك سائقي تاكسي يتناولون وجبات في هذه الداخليات. وقد سمعت احد الطلاب الجنوبيين يقول ان أصعب حاجة في هذه الجامعة هو كيف تختار الرغيف المناسب قالها بالانجليزية
the most difficult thing in this University is how to choose bread. ذلك ان الخبز في سفرة الجامعة من نوع خاص ولذلك تحتار وانت تختار من بينها ما يناسبك.
انتهى محمد من كلية العلوم وجلس لامتحانها النهائي فاحرز درجات عالية جعلته مؤهلا لدخول كلية الطب البشري وهي الكلية التي يتمنىاها كل الطلاب. ولذلك تتطلب درجات عالية. فكان يقال لهؤلاء الطلاب المقبولين في هذه الكلية انهم صفوة الصفوة
cream of the cream.
وكم كان الوالد سعيدا بهذه النتيجة المشرفة. ودخل بموجبها الى كلية الطب والي داخليتها حسيب والرازي. واكتسب محمد في هذه الكلية لقب "البريطاني" لا أدري لكني رجحت ان ذلك له علاقة بفهمه للغة الإنجليزية التي كانت هي لغة التدريس في كل الجامعة في تلك الفترة.
الصورة فى مسجد كوستى العتيق بعد صلاة العصر وهو يعمل فى معمل بالقرب من المسجد
وكلية الطب هي ٦ سنوات من أطول انواع الدراسة الجامعية. ذهبت انا الي جامعة جوبا خلال هذه الفترة. فكنت أزوره في الداخلية وانا ذاهب او قادم من جوبا. او نلتقي في بورتسودان في الاجازات حيث مكان عمل الوالد والأسرة. وكان لمحمد أصدقاء اذكر منهم من أبناء الجزيرة أبا زميل له اسمه "السيوري" لعله من أسرة الشيخ "علي السوري" من أئمة مسجد الكون. وكان له صديق اخر اسمه "شداد" وشداد لم يعجبه قبولي بجامعة جوبا فكان يقول لي هي مدرسة ثانوية عليا جدا. واذكر ان قدم إلينا في بورتسودان في تلك الفترة ابن عمنا الأخ عبد الله شريف جامع في طريقه الي المجر لدراسة الهندسة الكيميائية بعد أن قضى عام واحد في جامعة الخرطوم
في أثناء هذه الفترة تم نقل الوالد الي كوستي في العام ١٩٧٩. فكنا نحضر الي كوستي في الاجازات محمد من جامعة الخرطوم وانا من جامعة جوبا. كان المنزل في حي النصر مربع ٧. بجوار مدرسة أولية للبنات اسمها "مدرسة ج" ولكن لشهرة مديرتها اسموها مدرسة صفية اسكودر". التي التقيتها في العام ٢٠٢٤ حيث سكنت بالقرب من منزلها في حي النصر مربع ٨ ونحن في النزوح، قالت لي وهي" تتحرك على كرسي " انت اخوك الكان في الجامعة كان بيطلب مني مفاتيح المدرسة عشان يذاكروا فيها". يا لها من ذاكرة حديدية تتذكر اشياء مضت عليها ٤ عقود وأكثر.
وفي كلية الطب جامعة الخرطوم تزامل مع عدد ممن أصبحوا مشاهير في السياسة منهم عبدالحليم المتعافي والجميعابي ومطرف صديق وهم من الأطباء الذين دخلوا المجال السياسى. لكن محمد كطالب طب لم يعرف عنه نشاط سياسي او انتماء حزبي على الرغم من علو صوت الاحزاب السياسية في تلك الفترة لا سيما الصراع التاريخي المحموم بين اليمين واليسار علاوة على نشاط الإخوان الجمهوريين.
تخرج محمد من كلية الطب في العام ١٩٨٠ ثم انتقل مباشرة إلى مدينة الأبيض ليبدأ حياته العملية كطبيب تحت التدريب. وكان من الابيض يرسل لي مصروف شهري وانا في جوبا عبر البوسته. وطبعا الأمور كانت طيبة معانا في جوبا ما عندنا التزامات كتيرة لأننا داخليين وأكثر من ذلك لدينا ما يسمى في ذلك الزمن بيرسري كنت أصرف 14 جنيه شهريا من ميزانية الجامعة .ا.
الحياة العملية
بدأ جامع عمله كطبيب امتياز في مدينة الأبيض والتي ربما يزورها لأول مرة، حيث بدأ أولى خطواته العملية في الحقل الطبي. الامتياز هو عام كامل ولم يكمله في الأبيض ورجع لاستكماله في مستشفى سوبا الجامعي بالخرطوم. وبالنتيجة تم تسجيله في المجلس الطبي السوداني لممارسة العمل كطبيب عمومي.. وكنت في تلك الفترة بمدينة كوستي اقترحت عليه شراء قطعة أرض تكون له في مستقبل الايام وفعلا ارسل لي مبلغ "واحد الف جنيه سودانى" وكان يكفي لشراء قطعة أرض في مربع ٤١. ثم تم نقله من بعد ذلك إلى مدينة نيالا وهناك التقي بمجموعة الاهل في المدينة وكان مصدر فخرهم ان جاء ابنهم كطبيب في المدينة. وسرعان ما أطبقت شهرته الآفاق وافتتح عيادة خاصة كانت قبلة لمجموعة الاهل والمعارف عموما بالمدينة. استطاع في مدينة نيالا ان يحوز على ثقة اهلها حتى عندما انتقل الى الخرطوم لاحقا ظل اهل نيالا يمثلون قطاعا كبيرا من المترددين على عيادته. ومن نيالا عمل علي شراء منزل بمدينة امدرمان محافظة امبده وأعاد بنائه.
وبعد ذلك تزوج محمد من ربك من ابنة أخيه بن عمه "نجاة عبدالله" الشهيرة ب "نجاة جدو". وكانت مناسبة الزواج في ربك. وبعد المناسبة طلب مني العريس وهو متوجه إلى شهر العسل ليستقل البص من كوستي ان أوصل العروسين بعربة احد أصدقاء العريس الي كوستى ليستقل البص من هناك والمسافة من ربك الي كوستي فقط ١٠-١٥ كيلو ولكن الكوبري بين المدينتين كان يمثل تحديا. طبعا هذا الكبري الجديد. فتوكلت على الله تعالى وأخذت العروسين في العربة في أطول مسافة اسوقها كسائق وليس كمتدرب. مع انى كنت حديث عهد بالسواقة الحمد لله أوصلتهم المحطة وأرجعت العربة الي صاحبها.ا
وفي نيالا استقدم محمد أخانا الأصغر شريف من كوستي ليواصل دراسته الثانوية في نيالا. ولكنه لم يستمر فيها كثيرا. وكان قصد محمد ان يلحقه بمدرسة ثانوية خاصة ولكن عند زيارة أخواتنا مني وفاطمة وسمية كان من رأيهن بإصرار أن يرجع شريف الي كوستي بحجة أنهن سيساعدنه في المذاكرة وعلى ذلك رجع شريف الى كوستى.
من بعد ذلك زرت محمد في نيالا في منزله الذي فيه عيادته في حي الجمهورية من الأحياء العريقة في المدينة. في ذلك الزمن لم ألتق بالأخ عبدالله صالح او إدريس صالح الذين التقيتهم في زياراتي اللاحقة للمدينة. وفي العام ١٩٨٨ تم اختيارمحمد للتخصص فرجع الي الخرطوم الي الدراسات العليا كلية الطب حيث نال الدكتوراة في علم الأمراض في العام ١٩٩٢.
وفي نفس العام كانت صحة الوالد قد تدهورت فقضي زمنا في مستشفى سوبا ثم مستشفى المناطق الحارة ولكن كانت الاقدار بيد الله ان ينتقل إلى الرفيق الأعلى في نفس هذا العام في مستشفى المناطق الحارة بمدينة امدرمان. فكان العزاء لمدة يوم واحد في منزل محمد بامبدة الحارة العاشرة ثم انتقل العزاء الي كوستي منزل الوالد.
ثم التحق بعد ذلك بالمستشفى الصيني بامدرمان وابتني منزلا اخر بالقرب من المستشفى وافتتح فيه عيادة. وبما ان المنزل من عدة أدوار اتسع لعدد من العيادات. ثم فكر من بعد ذلك الالتحاق بالجامعات وكان يقوم بتدريس كورسات في جامعة امدرمان الإسلامية والنيل الأبيض وجامعات أخرى. وعرض عليه زميله بروف بابكر مدير جامعة جوبا التقديم للالتحاق بها فاستشارني في الأمر ولكني لم اتحمس لذلك وعلى الرغم ان الجامعة كانت في الخرطوم منذ ١٩٨٦ ولكن كان دائما هناك حديث عن انها ستعود الي جوبا، وعلى ذلك لم أكن اريد له السفر إلى جوبا وتربية أبناءه هناك. فاخذ نصيحتي وصرف النظر عنها. ولم يلبث قليلا حتى تم تعيينه في كلية الطب جامعة الزعيم الازهري. وتوسعت اهتماماته وصار قليلا من ما يجد وقتا للزيارات او المناسبات الاجتماعية.كان ينظم زياراته بصفة دورية الي الوالدة جدة مهدي في منطقة سنجة قرية عريك. واحيانا يسافر بعربته الخاصة رفقة أبناءه. ومن قبل ذلك ذهبنا معه لزيارتها وكان معنا الأخ حبيب موسى نمر.
وفي منزله جوار المستشفى الصيني كنت أمر عليه في طريقي إلى السوق الشعبي تقريبا بصفة أسبوعية وكان في الصباح في الغالب ما يكون جالسا على كرسي أمام باب الشارع. انزل لأسلم عليه أحيانا. مرة من المرات كانت معي ابنتي هبة ونحن في الطريق قلت لها ذاك عمك محمد. فردت على " ...لكن يا ابوي عمي محمد متين نزل المعاش.....". ولم يكن قد نزل المعاش بعد ولكن في ذهن ابنتي ان الجالسين على الكراسي في الشارع هم أصحاب المعاشات.
وفي جامعة الزعيم الازهري تخرجت ابنته نايله جامع واعقبتها اختها الصغرى سارة و تزوجتا كلتيهما وكذلك تزوجت سلمي جامع. وتوسعت الأسرة بقدوم الاصهار والاحفاد منهم من هم داخل السودان ومنهم خارج السودان. تمكنت والدتهم نجاة من إكمال دراستها الجامعية في إنجاز فريد وصبر وقوة تحمل.
وخلال فترته العملية كان د.جامع مشاركا فى عدد من المؤتمرات وورش العمل الخاصة ب علم الامراض داخل السودان وخارجه لا سيما ماليزيا واليونان وسوريا وتركيا وتونس. وبعد ان نزل المعاش خلال ال 5 أعوام الماضية تفرغ للعمل بعيادته التى هى فى الطابق الارضى من نف المنزل.
الطريق إلى الأمام
لا تزال الحياة مستمرة بابقاع متوازن الي ان أتت حرب أبريل ٢٠٢٣ فتناثر كل شي. ذهب هو الى جمهورية مصر وانا فى سلطنة عمان، وبقية اخوانتا فى مصر. نسأل الله تعالى أن يجمع شملنا. اكتب هذه الكلمات في خواتيم أكتوبر ٢٠٢٥ في مدينة صحار سلطنة عمان وقد أتيناها في هجرة قسرية ،














.jpg)